جهاد الخازن


بين حين وآخر تطلع علينا الصحافة التقليدية بسبق صحافي كبير، وكانت laquo;واشنطن بوستraquo; قبل أسابيع كشفت وجود عالم استخبارات سري، يعمل فيه وله مئات ألوف الأميركيين وغيرهم، وهذا بالإضافة الى 16 جهاز استخبارات موازنتها مجتمعة 70 بليون دولار، كما كشفت مجموعة laquo;التلغرافraquo; في لندن مخالفات هائلة في استعمال أعضاء مجلسي العموم واللوردات المخصصات المالية الموضوعة بتصرفهم، ما أدى الى استقالات ومحاكمات مقبلة.

غير أن ما سبق هو الاستثناء لقاعدة جديدة في علم الميديا، فالمدونات (بلوغز) أصبحت تكسب الجولة تلو الجولة في السبق الصحافي. وأوراق البنتاغون وفضيحة ووترغيت التي أشرت اليها أمس، تاريخ قديم، أما التاريخ الحديث فهو نشر موقع ويكاليكس الإِلكتروني وثائق حرب أفغانستان أو أن يسبق موقع laquo;تي إم زيraquo; صحافة أميركا وكاليفورنيا كلها في نشر خبر وفاة مايكل جاكسون خلال 20 دقيقة من حدوثه.

بـين هذا وذاك، نجد أن المادة الأكثر إثارة عن الرئيـس نيكولا ساركوزي وما تلقى من تبرعات سرية من الوارثة الخَرِفة ليليان بيتانكور لم تنشرها laquo;لوموندraquo; أو laquo;لوفيغاروraquo;، بل مـوقع الـكـترونـي هـو laquo;مـيديا بارتraquo; الـذي أسـسه قـبل سنـتيـن فـقـط إدوي بـلانـيل، الـذي سبق أن عمل في laquo;لوموندraquo;، وزمـلاء لـه. وفـي حين نفت حكومة ساركوزي التهمة فإن الموقع رفض سحبها ولا يزال يقدم المادة التي يجدها القارئ بعد ذلك في الصحف التقليدية.

وإذا انتقلنا الى أميركا نجد أن موقعاً الكترونياً هو laquo;تيلنغ بويفتس ميموraquo; هو الذي كشف طرد ادارة بوش مدَّعين عامّين بارزين يخلفهم مدّعون موالون للإِدارة سنة 2007. وقد خسرت الصحف الكبرى معركة السبق أمام مجلة فضائح من النوع الذي يباع في laquo;السوبر ماركتraquo; فمجلة laquo;ناشونال انكوايررraquo; هي التي كشفت فضيحة جون ادواردز، الذي طرح اسمه يوماً مرشحاً للرئاسة الأميركية، وعشيقته رييل هنتر، وأن لهما ابنة غير شرعية. وقد زاد من سوء الفضيحة ان ادواردز خان زوجته وهي مصابة بالسرطان وتواجه خطر الموت.

حتى شبكات التلفزيون تغيرت، وكانت laquo;سي إن إنraquo; تفردت بتغطية حرب تحرير الكويت في 1990 و1991، بعد ان اخترعت الأخبار على مدار 24 ساعة، وبعد ان قدر عدد مشاهديها في حينه ببليون شخص. أما اليوم فمحطة فوكس نيوز اليمينية لها من المشاهدين في أميركا ضعفا مشاهدي laquo;سي إن إنraquo;. بل ان laquo;سي ان بي سيraquo; الليبرالية لها من المتفرجين ما يزيد على laquo;سي إن إنraquo;. والنتيجة ان فوكس نيوز laquo;ارتقتraquo; الى الصف الأول في غرفة المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض، في حين سترث وكالة اسوشيتد برس مقعد هيلين توماس بعد تقاعدها، وهو الأهم، لأنه في وسط الصف الأول.

واليوم أصبحت laquo;الجزيرةraquo; و laquo;العربيةraquo; أهم مصادر الأخبار عن العراق والمنطقة العربية كلها. وقد تعرضت laquo;العربيةraquo; أخيراً لهجوم مجرم على مكاتبها في بغداد تبنته القاعدة في بلاد الرافدين، ما اعتبر أنه وسام على صدر العاملين فيها، فلولا تأثيرها لما فكر الإرهابيون في مهاجمتها.

أعتقد أن هذا الاتجاه سيستمر، فالصحافة التقليدية الورقية خسرت المعارك والحرب، وهناك وجوه تلفزيونية جديدة، والتكنولوجيا تقف الى جانب المدونات.

قبل خمس سنوات كان هناك 15 مليون مدونة (بلوغ) وهي الآن أكثر من 130 مليون مدونة وربما 150 مليوناً، مع العلم ان الفترة نفسها شهدت إغلاق مئات الصحف في الولايات المتحدة، وصحف كثيرة أخرى حول العالم.

وفي حين ان المدونات أصبحت جزءاً من عمل الصحافة التقليدية، إذ إن laquo;وول ستريت جورنالraquo; و laquo;نيويورك تايمزraquo; و laquo;سي إن إنraquo; وغيرها لها مدونات خاصة بها، فإن السبق الصحافي عادة من نصيب المدونات الأخرى. ثم هناك مواقع الكترونية أو مدونات على شكل جرائد من نوع laquo;هنتنغتون بوستraquo; التي يزيد عدد قرائها على قراء أكبر الصحف التقليدية.

لا بد أن وراء الانتقال الى الصحافة الجديدة التكنولوجيا (الجديدة بدورها) التي تجعل القارئ جزءاً من مدونته المفضلة إذا شاء فيقرأ ويكتب ويوزع آراءه على الآخرين، غير أنني أزيد سبباً laquo;عربياًraquo;، أو شخصياً، فالصحافة التقليدية شاخت، وهي تهمة أهون من أن أقول إنها فقدت ثقة القارئ بها لأنها لم تنهض الى مستوى أوراق البنتاغون وفضيحة ووترغيت في كشف الحقيقة عن حرب ادارة بوش على العراق (أيدتُ شخصياً الحرب على طالبان في أفغانستان) لأن الحرب تخدم اسرائيل، ولأن ضحاياها من العرب والمسلمين.