جهاد الخازن
بعد خطاب فلسطين التاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة احتاج أبو مازن إلى حماية شرطة نيويورك وأمن المنظمة الدولية ليصل إلى قاعة جانبية يستقبل فيها أنصار فلسطين. وجلست على ذراع مقعد ضمه مع رئيس وزراء تركيا وبينهم مترجم، لأسمع كلام رجب طيب أردوغان وهو ينصح الرئيس الفلسطيني ويخطط معه للمرحلة التالية من انضمام فلسطين عضواً كاملَ العضوية في الأمم المتحدة.
قبل ذلك بقيت على مدى أسبوع وأنا أتابع ردود الفعل على زيارة أردوغان مصر، وأستطيع أن أقول بثقة إن التعاون التركي - المصري خبر طيب وسط فيض الأخبار الأخرى منذ أشهر.
أردوغان هو صاحب فكرة حلف اقتصادي عربي - تركي أراه ضد إسرائيل حتى لو لم يعترف دعاته بذلك، ورئيس وزراء تركيا يرى أن العرب وتركيا أهم كثيراً من إسرائيل في الشرق الأوسط، ولا يحتاجون بالتالي إلى الركض وراء أميركا وأوروبا، بل يتركون الغرب يركض وراءهم لحماية مصالحه.
كانت فكرة أردوغان أن يضم الحلف سورية إلا أن الوضع السياسي هناك أخرجها من دائرة الشراكة، وأتوقع أن تلعب المملكة العربية السعودية دوراً مهماً في التعاون الاقتصادي المتبادل، وهو جزء من تعاون أوسع يشمل التنسيق السياسي، مع كلام عن تعاون عسكري بين تركيا ومصر.
الأردن جزء من المعادلة هذه، وسورية لا بد أن تعود، وإذا استقرت الأوضاع في ليبيا بعد سقوط القذافي فإن لها دوراً أساسياً تلعبه ضمن هذه المجموعة.
في القاهرة، استُقبلَ أردوغان في دار الأوبرا بمثل ما استقبل باراك أوباما في جامعة القاهرة قبل أكثر من سنتين، وفي حين أن الرئيس الأميركي بدد رصيده بين المصريين والعرب كلهم، فإنني أغامر اليوم بالقول إن شعبية أردوغان في بلادنا ستكون أكبر بعد سنتين.
التعاون الاقتصادي بين تركيا ومصر بدأ مع حكومة أحمد نظيف، واللواء عمر سليمان قال لي في مكتبه إن هناك قراراً سياسياً مصرياً بالموافقة على أي مشاريع اقتصادية تركية خلال 24 ساعة. ووجدت أن للأتراك شركات في مصر تنشط في حقول البتروكيماويات والأسمدة والغزل والنسيج وغير ذلك كثير.
الاقتصاد المصري تعرض إلى هزة بعد ثورة الشباب، فهبط الاحتياطي من العملات الأجنبية، وتراجع الدخل من السياحة كثيراً، وفرّت رؤوس أموال، وتوقف أو كاد الاستثمار الأجنبي في مصر.
وشعرت بأن حكومة الدكتور عصام شرف تقدّر حجم المصيبة إذا لم يقف اقتصاد البلد على رجليه، وأصبحت مطمئناً بعد زيارة أردوغان، إلى أن التعاون الاقتصادي بين البلدين عاد إلى سابق عهده ويسير في الاتجاه الصحيح.
ثمة جانب للتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة بمعزل عن إسرائيل هو ربط الكهرباء بين دول الجوار. ومصر عندها ربط مع الأردن واتفاق للربط مع السعودية عبر البحر الأحمر. أعرف من الأخ جمال مبارك ومسؤولين آخرين أن ربط شبكات الكهرباء مجرد مقدمة، لأن الكهرباء غير جدلية ولا تثير معارضة، غير أن نجاح هذا المشروع سيفتح الطريق أمام ربط أنابيب الغاز ما يعني دوراً أساسياً لليبيا الجديدة ودوراً مجمداً للعراق بسبب غياب رشادة الحكم فيه. وقد أعلنت تركيا أنها لن تسمح لإسرائيل بالتفرد بالاستفادة من الثروات الطبيعية في البحر الأبيض المتوسط.
الوصول بالغاز إلى تركيا يعني وصوله إلى أوروبا ما يطمئن الأوروبيين إلى إمدادات الطاقة، ويضمن لدول المنطقة دخلاً عالياً منتظماً لسنوات عدة مقبلة. وفي حين أن الوضع السوري الحالي عقبة غير أنه لا يمكن أن يستمر طويلاً.
وكنت سمعت من بعض العرب شكوكاً في نوايا أردوغان وأنه يسعى إلى شعبية سريعة عن طريق نصرة الفلسطينيين في كل محفل وترويجه لإسلام معتدل من النوع الذي يدعو إليه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر.
أقول لا بأس في ذلك. وأطمئن المشككين إلى أن هجوم أنصار إسرائيل في أميركا على أردوغان دليل على صدق نواياه العربية والإسلامية. وجاك روزن، رئيس المجلس الأميركي ليهود العالم، كتب في laquo;وول ستريت جورنالraquo; الليكودية أن أردوغان يهاجم إسرائيل لتنفيذ طموحاته، وأقول إنه يهاجمها لأنها دولة فاشيستية محتلة تقتل النساء والأطفال. وروزن هذا ومقال آخر في الجريدة نفسها ذكّرا القراء بأن تركيا منعت القوات الأميركية من غزو العراق عبر أراضيها سنة 2003. هل هذا جناية؟ أراه وساماً على صدر الحكومة التركية بقدر ما هو إدانة للذين سعوا إلى تزوير الأدلة لاحتلال بلد عربي وقتل مئات الألوف من أهله مباشرة، أو عبر ما أطلق الاحتلال من إرهاب.
هؤلاء المتطرفون هم مَنْ يجب أن نحذر منهم، أما رجب طيب أردوغان فأهلاً وسهلاً به كل يوم من نيويورك إلى القاهرة وكل عاصمة عربية.
