شريف عبدالغني
وسط كل الشباب الذين أشعلوا الربيع العربي، يبقى الشباب المصري هو الأكثر تعرضا للظلم، لقد بهروا العالم بالثورة السلمية الحضارية التي بدؤوها منذ 25 يناير الماضي، ولم تنته حتى الآن. كبير الكرة الأرضية باراك أوباما والكثير من العواصم الكبرى وشعوب العالم أبدوا إعجابهم بجرأة ورقى شباب مصر. لكن هؤلاء الآن محل تشكيك وانتقاد واتهامات بـ laquo;التخريبraquo; و laquo;البلطجةraquo; و laquo;العمالةraquo;!
تهون الاتهامات لو كانت من السلطة. الديكتاتوريون يكرهون دائما المطالبين بالتغيير الحقيقي، والحرية الكاملة. إنهم يفضلون من يقول لهم: laquo;نعمraquo;. laquo;حاضرraquo;. laquo;اللي تشوفه سعادتكraquo;. laquo;أوامرك يافندمraquo;. لكن الجرح الحقيقي أن الاتهامات تأتيهم من قطاعات شعبية. مأساة أن يخرج أعز ما تملكه أمة مقدمين أرواحهم ونور أبصارهم فداء لبني وطنهم، ثم يخرج هؤلاء- سواء بقصد أو دون فهم- ليتحالفوا مع الجلاد ضدهم.. يبرئون القاتل ويدينون القتيل.
في تونس الشعب رفع شباب الثورة وشهداءها على الأعناق. في ليبيا الكل يجمع على أنه لولاهم ما انتهى حكم القذافي. في سوريا يكتبون سير تضحياتهم. في اليمن يعلن مشايخ القبائل كبار السن والمقام تأييدهم لهم.
لكن مصر كالعادة بلد المضحكات المبكيات. أكثر المتعاطفين مع الثوار يقولون إنهم يعطلون البلد، ولا يتركون فرصة للمجلس العسكري الحاكم أن يعمل في صمت. لم يسألوا أنفسهم ما الذي أنجزه هذا المجلس وحكوماته طوال نحو سنة، ويقوم الشباب بتعطيله. فالأحوال تسير من سيئ لأسوأ. لم يدركوا أن العسكر فرحوا بالثورة واعتبروها نجدة من السماء للقضاء على مشروع توريث الحكم، فقد كان جمال مبارك وصحبة من رجال الأعمال خارجون عن سيطرة laquo;العسكرraquo;.. إنهم يريدون رئيسا ومسؤولين laquo;منهم وعليهمraquo;. لا أحد من خارج الدائرة حتى لو كان ابن الرئيس قائدهم. هكذا أيدوا الثورة ضمنا. لكن حينما استمر الثوار في طلب التغيير الحقيقي وبناء دولة مدنية حديثة.. صاروا حينها مشاغبين وبلطجية ومخربين. وافق العسكر على خروج أحزاب دينية ليشعلوا البلد ومن فيها. الانتخابات الأخيرة التي يتباهون بها كانت في حقيقتها بين laquo;المسجدraquo; و laquo;الكنيسةraquo;. laquo;الإسلامraquo; و laquo;المسيحيةraquo;.. لذلك كسب الإسلام نظرا لأغلبية السكان!
قطاعات كثيرة من المصريين يرددون في بلاهة اتهامات الإعلام المؤيد للعسكر حول الثوار. في الأحداث الأخيرة قالوا إنهم بلطجية.. ولم ينتبهوا إلى أن الشهداء الذين سقطوا خلالها بين شيخ أزهري فاضل، وطبيب، ومهندس، وطالب. وحتى لو كان عاطلا عن العمل فمن حقه التظاهر بحثا عن حقه في الحياة الآدمية.
بالصدفة قرأت في إحدى laquo;المدوناتraquo; أفكارا ورؤية أحد هؤلاء laquo;المخربين البلطجيةraquo;، الذين يؤمنون بالثورة، عن مصر التي يعرفها ويريدها. أعرضها دون تدخل مني.. بنفس بساطتها وعاميتها، عسى أن يعرف منها ضعاف النظر والعقول laquo;هو مين فينا الجبان.. ولا مين فينا اللي خان.. اللي قلبه بالمحبة وبالأماني.. وبالربيع الأخضر مزهر والأغاني.. ولا كلب الصيد.. وأسياده الأباطرة.. أكالين لحم البشر فوق الصواني؟raquo;.
يكتب الشاب laquo;البلطجيraquo; قائلا:
أنا اسمي إبرام فرج، عندي خمسة وعشرين سنة وشهرين إلا كام يوم، باشتغل دكتور تخدير وعناية، بس لسه يا دوب في أول النيابة. ليا حوالي أربع شهور، أنا ساكن ومولود في أسيوط، صعيدي يعني، وباشتغل برضه في أسيوط، مش عارف إذا كانت شوية الحاجات دي كفاية ولا لأ، بس ده باختصار أنا، ودي laquo;الهرتلةraquo; اللي باكتبها:
مصر اللي أعرفهاhellip; هي شقا أمي عشاني أنا وإخواتى، ووقفتها في المطبخ تجهّز لنا عشوة حلوة، وتسخّن الخضار بتاع بكرة ع البوتاجاز التاني القديم..
مصر اللي أعرفها.. هي دعوة بالستر من ست عدت الستين، لما تطلب مني أوقّف لها تاكسي عشان الخشونة مترسبة ف مفاصلهاhellip;
مصر اللي أعرفهاhellip; هي شلّتنا اللي ألذ ما فيها خناقات عمر وبيتر على مين يركب من قدام جنب أدهم واحنا رايحين فرح بعربيته، لزوم المنظرة ع البناتhellip;
مصر اللي أعرفهاhellip; هي ماتش فريق الفصل ضد المدرسين في الفسحة، ولما نعلّم عليهم، نفضل كاسرين عينهم لآخر التيرم
مصر اللي أعرفهاhellip; هي laquo;عم صابرraquo; صاحب محل الطعمية اللي على طول زعلان من بتاع الأنابيب عشان بيتأخر عليهhellip;
مصر اللي أعرفهاhellip; هي مصطفى أو laquo;صاصاraquo;، صبي القهوة اللي بيعزم نفسه على بيبسي لما الزمالك يكسب..
مصر اللي أعرفهاhellip; هي ضحكة بنت صغيرة قاعدة قدامي في السرفيس كل ما اطلّع لها لساني
مصر اللي أعرفهاhellip;هي الشباب اللي زي القمر اللي غسلوا الشوارع يوم 12 فبراير
مصر اللي أعرفهاhellip; هي الدكاترة الشباب اللي بيشتغلوا 36 ساعة متواصل في استقبال الطوارئ، ومابيشتكوش غير لبعض..
مصر اللي أعرفهاhellip; هي عساكر الأمن المركزي اللي مالهمش لا في الطور ولا في الطحين، ومش عارفين ليه الناس كارهاهمhellip;
مصر اللي أعرفهاhellip; هي الراجل اللي سهران في كشك السكة الحديد في عز البرد ف حتة مقطوعة عشان ينظم حركة القطورات، اللي كتب عنه وحيد حامد فيلم laquo;المنسيraquo;.
مصر اللي أعرفهاhellip; هي العيال السريحة في الإشارات، اللي لما البرد بيشد عليهم، بيتدفوا ف حضن بعضhellip;
مصر اللي أعرفهاhellip; هي نجيب محفوظ، اللي سحر العالم برواياتهhellip; هي حسن شحاتة، اللي جابلنا كأس إفريقيا 3 مرات، عشان طيبة قلبه، هي إسماعيل ياسين، الطفل أبو بُق كبير، هي حليم، هي زويل، هي صلاح جاهين، هي عبدالوهاب، هي فاتن حمامة، وهي بطولات شباب ماتوا عشان رملتها ف سينا، وماحدش يعرف حتى أساميهم.
مصر اللي أعرفهاhellip; هي كل واحد مركز في لقمة عيشه بذمة.
مصر اللي أعرفهاhellip; هي كل واحد مش فاهم إيه بيحصل حواليه.
مصر اللي أعرفهاhellip; هي كل واحد بيسأل: هي ليه البلد بتتسرق؟!
مصر اللي أعرفهاhellip; هي كل واحد عينيه بتدمع ع اللي بيحصل في بلطيم وسوهاج ودمياط وأسوان وماسبيرو وسينا.
مصر اللي أعرفهاhellip; هي كل واحد قلبه بيوجعه من هرتلة الانتخابات، ولؤم العسكر، وطمع المتأسلمين، ومصالح الليبراليين، وغياب وتوهة المصريين الحقيقيين.
هي دي مصر اللي أعرفهاhellip; وهي دي مصر اللي باحبها!!
