شمس الدين الكيلاني
يُجمع الناس على أن هناك ضرورة للإصلاحين السياسي والديني: الإصلاح السياسي ضروري لترشيد أنماط الحكم في بلادنا، لتصبح الجماعة المرجع الرئيسي للسياسة، وليكون الشعب مشاركاً في تقرير مصيره ومصير بلده، وإصلاح ديني للاستجابة للأسئلة الكبرى التي طرحها العصر على الضمير الديني وعلى رؤية الإنسان للكون والعالم بعد التبدلات المذهلة التي أدخلتها الاكتشافات الكونية (من الثورة الكوبرنيكية ثورة الاتصالات والإنترنت مروراً بثورة أنشتاين/ النسبية) على رؤية الإنسان للكون، التي تختلف جذرياً عن الرؤية البطليمية، ورؤية خريطة المأمون للكون، وأيضاً لمواكبة الأسئلة التي طرحتها ثورات العلوم الإنسانية المعاصرة المتعاقبة (علوم الاقتصاد والمجتمع والأنثربولوجيا وعلم النفس وثورة التحليل النفسي، الإبستمولوجيا) على الإنسان والمجتمع والإنسانية وعلى فهم الإنسان لنفسه ولعالمه الإنساني، لا سيما بعد أن غدا العالم برمته موحداً، توحده العلوم والمواصلات والاتصالات، وصورة التلفزيون، وتبادل السلعة والأزياء، والذوق العام، وأدب الكياسة الاجتماعية، والمنهجيات العلمية وأساليب النظر والفكر، واتساع دائرة القيم المشتركة.
الإصلاحان ضروريان ومتداخلان على الرغم من استقلالية كل منهما عن الآخر بعضهم أعطى الأولوية للإصلاح الديني، وبعضهم الآخر رجّح أولوية الإصلاح السياسي، علماً أن السياسة وشؤون الحكم هما بالأساس شأنان دنيويان، لغتهما المصلحة الخاضعة لمتغيرات الزمان، وتبدلات ميزان القوى، والشأن الديني يتعلق أساساً بالأبدي وبالقدسي وبما يرضي الله، وبالتالي فإن السياسي يتعلق بالزمني والوقتي بالراهن من الزمن وبمصالح العباد المتغيرة التي لا تحتمل التأجيل، بينما الديني يحتاج الى قرارات تمس الضمير وتطلعات الفكر البعيدة المرمى، ولهذا فعلى قراراته ألاّ تخضع لضغط اللحظة الراهنة وإلاّ سقطت في ما يتناقض غاياتها القصوى.
يدّعي الإسلاميون بطريقة يقينية ثابتة بأن تصوراتهم عن الحكم في الإسلام وعن الخلافة والدولة الإسلامية و(حاكمية الله) هي من الأمور الثابتة في الإسلام، وهي لا تحتاج الى كثير عناء، غير أن هذا الادعاء يناقض الممارسات الفعلية، فما سل سيف في الإسلام، منذ عهد الصحابة إلاّ وكان وراءه على الغالب الخلاف على السياسي والحكم، وهو ما ينفي وضوح نظرية الحكم في الإسلام، ويؤكد في المقابل على جذورها في مصالح الجماعات وتصوراتها المتباينة، بل إن التجربة السياسية الإسلامية تذهب باتجاه التأكيد على العنصر التاريخي والمصلحي، وعلى الدور الحاسم لمؤسسة السلطة ورؤيتها لمصالح المسلمين في المجال السياسي. هذه السلطة ورجالها الذين أبدوا حرصهم على أن تجلّل الرموز الإسلامية فضاء دولتهم، وعلى رعاية دور العبادة من جهة، أبقوا السلطة ومؤسساتها فوق الجماعة وفوق المؤسسة الدينية من جهة ثانية، ولعل التصورات الراهنة للإسلاميين عن الدولة في الإسلام هي وليدة الأزمنة الراهنة المأزومة، وأن قراءة هؤلاء الإسلاميين وغير الإسلاميين للنصوص وللتجربة السياسية الإسلامية، هي قراءة متأثرة بأهوائهم وبمصالحهم وثقافتهم، لا سيما عندما يريدون استخدامها في الصراع السياسي على السلطة، ولذا فالإصلاح الديني غدا مطلوباً للغاية في المجال الإسلامي ليقوم، على غرار ما قامت به الكنيسة بالغرب بمواءمتها الإيمان الديني مع مقتضيات الصورة الحديثة للكون الفلكي والعالم الإنساني بكل مندرجاته وقيمه الإنسانية المعاصرة، فتراجع في أوروبا الزمن الذي يصبح فيه أمثال جوردانو برونو مهدداً بالمحرقة، بينما ما زال التكفيريون عندنا يحولون أنفسهم الى قنابل تحصد المئات في الشارع باسم الرحمن الرحيم(!) مع يقينهم الراسخ بأن جزاء أفعالهم المدمرة عند الله هو الجنة!
من هنا فالإصلاح الديني مطلوب، غير أنه من المجحف أن نجعله شرطاً للإصلاح السياسي أو سابقاً له وفي خدمته، فلكل من الإصلاحين زمنه الخاص وأغراضه الخاصة المستقلة عن الآخر، وأنه من المناسب الاقتناع بأن مشكلات المسلمين ليست مشكلات دينية حتى تُحلّ فقط بالإصلاح الديني الإسلامي، بل هي مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويفترض اذا أردنا حلها ان تشخص أسبابها وألياتها لكشف السبل للخروج من دائرتها. واذا كان من طبيعة المجال السياسي علاقته مع المصلحي والدهري في تحولاتهما التي لا تتوقف، وهو ما يفرض عليه قرارات راهنة ومستعجلة لا تقبل التأخير والتسويف، وأن يراعي في قراراته مصالح الفئات المختلفة في تحولاتها، بينما تتعلق قرارات المصلح الديني بالأفكار الكبرى التي يمكن ان تحدث تغييراً في رؤية المسلم للعالم، كما تتعلق بالضمير الديني والأخلاقي في علاقته داخل الطور الجديد من شبكة العلاقات الانساني التي بدأت لأكثر من قرن تكتسي طابعاً عالمياً، في مناخ تعززت فيه القيم الانسانية وفي مقدمتها مفاهيم حقوق الانسان. والمشاركة، والديموقراطية، الذي لم يعد بمقدور اي اصلاح ديني تجاهلها، وعلى هذا فقراراته لا تتعلق بالزمني والترابي،ولا بالراهن من المصالح ولا بأثقال الصراعات ولا بالمصالح التي تقف وراءها، لأن الزمن الديني يتعلق بالأيدي والمقدس من الأهداف.
فالمطلوب اصلاح ديني لا يرهن نفسه للسياسة، فهو يعتمد على تغيير رؤيتنا للعالم لينتسب الى ذهنيات العالم الحديث والمعاصر، ومغادرة النظرة الملتبسة والمتشككة بالآخر في المجال الانساني والعالمي الا بالاسهام في تغيير العالم وتقدمه وهذا يفترض الانفتاح على العالم، والمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي وتغيير النظرة السوداء الى الآخرين في الوطن وفي الانسانية وادراك ان مشكلاتنا في علاقاتنا الدولية لا تتعلق بمشكلات الهوية المتقاتلة ولا الصراع على المجال الديني، بل تتعلق بالصراع على المصالح التي يمكن ان تحل على أساس من التسويات، أو الاعتراف بالمصلح المتبادلة، أن تغيير وعينا للعالم من الضرورة بمكان، يتوقف عليه ليس نجاح الاصلاح الديني الموعود، بل ثقتنا بالمستقبل وبقدرتنا الذاتية علىاقامة حوار عميق مع الثقافة المعاصرة، نكون فيه شركاء في صياغة الثقافة الكونية المعاصرة، والا بقينا كيان مضطرب لا يثق بنفسه ولا بالآخر وهوي منعزلة ومفوتة معرضة للاضطراب، قادرة على التمرد والأذى اللذين لا يفضيان الى شيء سوى الحفر بالأزمة وتعميقها!
