صحيفة هآرتس

قبل حوالي سنتين قام وفد رفيع المستوى من إحدى الدول الغربية الكبرى بزيارة دمشق لبحث إمكانية توثيق العلاقات بين البلدين. وبعد انتهاء الجزء الرسمي للزيارة اقام الاسد حفل عشاء حميما لضيوفه ، وتحدثوا الليل بطوله بعيداً عن البروتوكولات الرسمية المعتادة وبحضور زوجات الضيوف. وخلال الحديث فتح الاسد قلبه وقال quot;ان مشكلتي هي أنه في كل عام يبلغ نصف مليون سوري سن الثامنة عشرة بلا عمل وبلا أملquot;.

لقد كان الاسد يعلم أنه يجلس على قنبلة اجتماعية موقوته ، تشكل خطراً داهماً للاستقرار الداخلي في سوريا. ولكنه لم يفعل شيئاً لتغيير هذا الواقع لبث الامل في نفوس شباب بلاده. وبدلاً من إعطائهم الامل في مستقبل أفضل وتخفيف القيود الديكتاتورية ، فضل الاسد التركيز على التجمل وتلميع صورته قدر الامكان. وقام بحملة دولية توحي بأن سوريا دولة علمانية غربية ، ويدعمها حرصه بالظهور دائماً و الى جواره زوجته أسماء. وبلغت حملته هذه ذروتها في تقرير صيغ بشكل جميل عن الاسد وعقيلته نشرته مجلة quot;فوغquot; المتخصصة بالازياء والموضة بداية العام الحالي.

لقد كان كل شيء مثالياً ما عدا التوقيت. فبعد نشر التقرير ثار الشباب اليائس ضد نظامه ، وبدت صورة الاسد وهو يلاعب أطفاله في المجلة نكتة سخيفة مقارنة مع تزايد عدد القتلى في المظاهرات المستمرة ضد نظامه حتى وصل عددهم الى ١٥٠٠، إضافة الى آلاف اللاجئين الذين فروا الى تركيا. وفوجئ محرروا مجلة quot;فوغquot; بأن الاب المحب واللطيف ليس الا ديكتاتورا متوحشا وقاتلا ، وسارعوا برفع تقريرهم من موقع المجلة الاليكتروني.

لقد خيب الاسد الصغير آمال مؤيديه في الغرب ، الذين كانوا يرونه quot;إصلاحياًquot; وعلقوا عليه الكثير من الآمال الزائفة. وعندما حانت لحظة الاختبار تصرف تماماً كوالده وحلفائه الايرانيين وأطلق يد قوات الامن في مواجهة المتظاهرين. وفي خطابه الاخير أوضح الاسد بأنه لن يتنازل ، واقترح الدخول في quot;حوار وطنيquot; فارغ فقط للتخلص من الضغوط التي يتعرض لها.

ان نظام الاسد لا يزال قائماً حتى الان لثلاثة أسباب. الاول هو عدم تمكن معارضيه من تكثيف تحركاتهم في المدن الكبرى ، أما السبب الثاني فهو تمسك الجيش بولائه للرئيس ، والثالث هو أن روسيا وايران توفران له الدعم من الخارج بينما الادارة الاميركية مترددة في دعوته بشكل صريح للتنحي وتكتفي حالياً بترديد كلام فارغ حول quot;الاصلاحquot;. ولو نظرنا للحالة المصرية فسنجد أن المصريين استطاعوا حشد مئات الالاف من المحتجين في أهم ميادين القاهرة الرئيسية وأسقطوا الرئيس حسني مبارك. بينما لا يزال التمرد في سوريا في الارياف التي من السهل محاصرتها وعزلها عن العالم الخارجي وعن وسائل الاعلام ، وارتكاب المذابح بحق سكانها. وهذه هي الاستراتيجية التي تعلمها بشار من والده حافظ الاسد quot;حاصر واقتلquot;.

وعلى الرغم من نجاحه الجزئي في مواجهة التمرد ، لم ينجح الاسد في حسم الامور لصالحه وإنهاء الانتفاضة. أما المتمردون فاختاروا اتباع استراتيجية الاستنزاف لادراكهم ضعف قوتهم أمام قوة الجيش. ويعتقدون بأنه من الضروري والمهم جداً التمسك بهدفهم وعدم الاستسلام. ولتعويض عدم التحرك في دمشق يعمد المحتجون للخروج في مظاهراتهم في وقت واحد في عدة مدن دفعة واحدة لتفريق قوات الجيش والمحافظة على جذوة الانتفاضة مشتعلة. ويأمل السوريون في أن تؤدي تظاهراتهم المستمرة الى زيادة وتيرة الانشقاقات في الجيش وسقوط الاسد نتيجة لذلك ، على عكس نظرائهم في ليبيا ، لا يستطيع السوريون الاعتماد على الدعم الدولي، لادراكهم بأنه لن يأتي أحد من أميركا أو من أوروبا ليقصف لهم قصر الاسد.

الارجوحة

ولكن وعلى الرغم من الانتفاضة في سوريا لا تزال بعيدة عن الحسم ، إلا أنها ادت الى إخلال ميزان القوى في الشرق الاوسط. فالرياح انعكست ، وايران تراجعت ، وإسرائيل تقوت من جديد. فالمخاوف التي عمت إسرائيل في البداية من موجة quot;الربيع العربيquot; أخذت تزول تدريجياً ، وأصبحت الانقلابات في الدول المجاورة حالياً بمثابة فرص استراتيجية.

إن أول نقطة تحول شهدتها المنطقة كانت قبل خمس سنوات ، في حرب لبنان الثانية. فقد كشف الفشل العسكري الاسرائيلي في مواجهة quot;حزب اللهquot; عن ضعف إسرائيلي ، وأدى ذلك الى تعزز قوة إيران راعية حسن نصر الله ، وكذلك الى عمل الاسد على توثيق تحالفه العسكري والسياسي والاقتصادي مع حكام طهران. كذلك تمكن quot;حزب اللهquot; من فرض سيطرته على لبنان ، وحماس بسطت نفوذها على غزة ، وابتعدت تركيا عن إسرائيل وتقربت لايران وسوريا وحماس.

وبالنسبة لاسرائيل فان خطورة الوضع لم تزدد الا في العام الماضي. عندما شابت العلاقة مع تركيا ازمة عميقة على خلفية اسطول المساعدات لغزة. وعندما سقط مبارك فقدت إسرائيل حليفها الاستراتيجي مع مصر وبقيت وحيدة ومعزولة. وحتى البديل الذي وجده رئيس الحكومة في اليونان لتحل محل تركيا ومصر انهار وانتهى.

وهذا الاسبوع بدا أن الارجوحة الاستراتيجية ذهبت في الاتجاه المعاكس. فإيران التي تمزقها الصراعات الداخلية تعمل جاهدة لانقاذ كرسي الاسد ، لان سقوطه يعني فقدان الايرانيين لاهم حلفائهم وابرة ميزان تأثيرهم الاقليمي. أما إسرائيل فقد استغلت الوضع لتزود وسائل الاعلام العالمية بتقارير عن التدخل الايراني الواسع في قمع المحتجين في سوريا ، وكأن الاسد بحاجة لمساعدة خارجية للقتال دفاعاً عن نفسه.

وبالنسبة لتركيا فهي لم تنتظر سقوط الاسد ، وسارع رئيس حكومتها رجب طيب اردوغان بالوقوف الى جانب المتمردين. وادان اردوغان بشدة المذابح التي يفعلها النظام في سوريا وطالب الاسد بوقفها فوراً والبدء بتنفيذ اصلاحات. كذلك اعرب الاتراك عن خيبة املهم بعد خطاب الرئيس السوري الاخير الاثنين الماضي ، الذي رفض فيه تحذيراتهم. والرسالة كانت واضحة وهي أن الدفء بين دمشق وانقرة وصل الى نهايته ، وهذا يعني نهاية سياسة الهدوء مع الجيران التي كان ينتهجها وزير الخارجية احمد داود اوغلو ، القصة انتهت. الآن عاد زمن القوة والصراعات التي كانت في الماضي. ويقول خبير إسرائيلي quot;أن ايران وتركيا بدأتا الصراع على السيطرة وبسط النفوذ في سورياquot;.

ومادامت تركيا في صراع مع ايران فهي حتماً تقترب مجدداً من إسرائيل والولايات المتحدة ، العدوين اللدودين لايران في صراع النفوذ في الشرق الاوسط. الاثنين الماضي وبعد خطاب الاسد بساعات اتصل اردوغان بالرئيس الاميركي باراك اوباما. وبحسب البيان التركي فان المحادثة الهاتفية تركزت في بحث الشأن السوري والليبي وتطرقت كذلك الى عملية السلام، وقد أعرب الاثنان بوضوح عن تأييدهما المطالب الشرعية للمحتجين السوريين واتفقا على متابعة الوضع السوري بدقة. وفي صباح اليوم التالي نشر الاتراك الرسالة التي بعثها نتنياهو لاردوغان والتي هنأه فيها على فوزه الكبير في الانتخابات ، وناشده فيها حل جميع المشاكل العالقة بين البلدين.

وطوال الفترة الماضية أثبت اردوغان أنه افضل دبلوماسي في المنطقة وربما في العالم اجمع. فلا يجيد أحد مثله المراوغة والمناورة السياسية مادام ذلك يقوي تركيا ويدعم سلطته ، فخيانته للاسد صديقه الجيد ، تذكرنا بانقلابه على علاقاته الجيدة مع قادة إسرائيل. وهو يرى أنه بالسيطرة على مضائق البحر الاسود والحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط ، فستتمتع تركيا بموقف جيوسياسي فريد. ان اردوغان ببساطة يؤمن ببساطة بتراث البيزنطيين والذي امتد الى العثمانيين. وقد أوضح الباحث الاميركي ادوارد لوتفاك في كتابه quot;الاستراتيجية العليا للامبراطورية البيزنطيةquot; كيف أن قياصرتها امتنعوا عن شن الحروب واكتفوا بالعلاقات السياسية والاحلاف المتقلبة لاقامة امبراطوريتهم ، التي فاقت كل امبراطوريات التاريخ في مدة قيامها.

نتنياهو يعمل بالطريقة نفسها. فهو أيضاً يفضل الكلام على الحروب. فرسالته لاردوغان ، ومحاولاته لاعادة العلاقات الى ما كانت عليه تشير الى انه يريد احياء التحالف مع تركيا من جديد ، التي يراها شريك إسرائيل الطبيعي مقابل العالم العربي وايران. وستمر محاولات نتنياهو هذا الاسبوع باختبار قافلة المساعدات الجديدة لغزة. تُرى هل سيُلغي الاتراك تسيير القافلة البحرية ؟ و اذا خرجت بالفعل هل ستتصدى لها البحرية الاسرائيلية بنفس الطريقة السابقة والتي ادت الى إصابة عدد من ركاب السفن ؟ أم أن التحضيرات المسبقة ستهدئ النفوس وتمنع تكرار ما حصل العام الماضي؟

اذا ما الغيت قافلة المساعدات ، او انها وصلت وانهت مهمتها بهدوء ، فسيكون بامكان نتنياهو واردوغان التركيز على اعادة العلاقات الى سابق عهدها. فالمصالح المشتركة ما زالت قائمة ، ولكن اذا تكررت نكسة العام الماضي فستكون العلاقات في خطر فعلي ، ونجاحهم مرهون بنجاح الاثنين نتنياهو واردوغان.

ويسود اسرائيل حالياً شعور بالفوز مع انكسار العزلة الدولية ، وتصدع النظام السوري ، والوهن الذي اصاب العدو الايراني. وقد ظهر هذا جلياً في تصريحات وزير الدفاع ايهود باراك الاسبوع الماضي والتي تنبأ فيها بسقوط النظام السوري خلال ستة أشهر. كذلك اعرب رئيس الموساد السابق مائير داغان عن اعتقاده بأن النظام العلوي في سوريا زائل أيضاً. ويتحدث السياسيون أيضاً بكثرة وبإعجاب عن رياح الديموقراطية التي تجتاح الدول العربية ، وتخلو عن فكرة التحذير من صعود الاسلاميين هناك وانهيار الهدوء القائم حالياً ، على عكس ما كانوا يصرحون به في نصف السنة الماضي.

لقد أثبت الرئيس الاسد أهمية سوريا في المنطقة في قوته وضعفه ، وقدرتها على التأثير على ميزان القوى في محيطها. واذا ما حل في سوريا نظام موال لاميركا فسيكون بإمكان إسرائيل تسوية النزاع حول الحدود في الجولان والاعتماد على quot;القوس الشماليquot; المكون من سوريا وتركيا في مواجهة ايران ، كبديل او اتمام للحلف المتضعضع مع مصر.

ويبدو أن المصريين أدركوا التقلبات الاستراتيجية ، فالاحاديث عن استئناف العلاقات مع طهران تلاشت ، واستضافوا مؤخراً مبعوث نتنياهو ومستشاره الخاص يتسحاق ملوخو. والاكيد أنه لا أحد يريد أن يبقى وحيداً في الشرق الاوسط.

الوف بن

صحيفة هآرتس