توفيق المديني

أعلنت الهيئة العليا للدفاع عن أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الانتقالي الديمقراطي في تونس، أنها هيئة وفاقية، وهو أهم مصطلح تردد في أوساطها، بيد أن الصراع الذي احتدم بمناسبة دراسة قانون انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، و القوانين الموالية الأخرى، تم حسمه بالتصويت : إقرار laquo;العقد الجمهوريraquo;(30 يونيو 2011) الذي ينص على laquo;الفصل بين المجالين السياسي و الديني raquo;، و الفصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية والقضائية، باعتباره مكسباً يجب أن يكون في أساس الدستور الجديد، إنه العقد الذي رفضت حركة النهضة التوقيع عليه، ما جعلها تنسحب من الهيئة العليا للدفاع عن أهداف الثورة في 27يونيو الماضي، كما رفضت أيضا التوقيع على قانون تمويل الأحزاب السياسية. ولم تقتصر الانسحابات هذه على حركة النهضة، بل إن حزب المؤتمر انسحب هو أيضا من الهيئة، كما أن الحزب الديمقراطي التقدمي علق عضويته في الهيئة،بسبب رجوع رئيس الهيئة عياض بن عاشور عن عملية التصويت الأولى التي تمت و انتهت بالمصادقة على مرسوم قانون الأحزاب المعروض مرفقا بالمقترحات التي تقدم بها الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي تؤكد قيادته بأنها ترفض التلاعب داخل الهيئة، لكنها تعتبر في الوقت عينه أن laquo;الهيئة خيمة وطنية تعمل على مساعدة الحكومة و الهيئة العليا المستقلة للانتخابات و تعمل على توفير الضمانات للانتقال الديمقراطي..raquo;.
وتتفق هذه الأحزاب على نقد رئيس الهيئة عياض بن عاشور، باعتباره المسؤول الرئيس عن خرق مبدأ الوفاق، ما تسبب في إحداث تصدعات و انسحابات من الهيئة ، وحملة من خارج الهيئة تطعن فيها، وتطالب بحلها. وهناك أعضاء من الهيئة يعتبرون عياض بن عاشور، أنه حرم الهيئة من الاستقلالية،حين ربطها بأجندة معينة تتماهى مع تطلعات الوزير الأول السيد الباجي القائد السبسي وحكومته.
ولا تُخفي بعض النخب والأحزاب الماسكة اليوم بجزء من إدارة الشأن العام سواء عبر هيئة تحقيق أهداف الثورة أو لجنة الانتخابات أو في كواليس ما بات يُعرفُ بـlaquo;قوى أو حكومة الظلraquo; مخاوفها وانزعاجها من احتدام الصراع داخل الهيئة للدفاع عن أهداف الثورة بين التيار العلماني الذي يغلب عليه الطابع الاستئصالي و الذي كان مهيمنا في عهد النظام الديكتاتوري السابق، و الذي يدعو إلى طمس الهوية العربية الإسلامية لتونس، و تجسيد القطيعة مع التراث، و قطع الروابط الثقافية بين تونس و فضائها العربي الإسلامي، و التركيز على quot;قيم الجمهورية و المواطنةquot; ، وبين التيار العروبي ndash;الإسلامي، الذي يؤكد على ضرورة التنصيص على الهوية العربية ndash;الإسلامية لتونس في الدستور الجديد، مع الانفتاح على روح العصر، والدفاع عن القضية الفلسطينية، و رفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني.
بيد أن الصراع تفجر بأكثر حدّة عند مناقشة الفصل الأول من الدستور المتعلق بالنظام الجمهوري، و الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي.إذ حاول التيار التغريبي ndash;حزب فرنسا- التشكيك بالهوية العربية الإسلامية باعتبارها هوية ماضوية.و يأتي احتدام هذا الصراع بين التيار العلماني و التيار العروبي ndash;الإسلامي، بسبب تخوف النخب التونسية ذات التوجه الثقافي الغربي، و القوى السياسية العلمانية من تنامي قوة حركة النهضة التي يتزعمها الشيخ راشد الغنوشي في الشارع التونسي،و بالتالي قدرته على تحقيق اختراق كبير في الانتخابات المقبلة التي ستجري في تونس يوم 23 أكتوبر2011.و يرى الصحافي خالد الحداد،أنه وفي انتظار أن تُقدّم حركة النهضة المزيد من التطمينات لخصومها السياسيين والإيديولوجيين وتقترب منهم في اتجاه توافقات ممكنة ومعقولة، وربّما هذا هو المطلوب الآن بعد سنوات من القطيعة انبنت على التخويف من الرؤى الإسلاميّة، فإنّ على هؤلاء ـ أي خصوم النهضة ـ أن يتخلوا عن نظرتهم القديمة تجاه خصم سياسي واستبدال مصطلحات التعاطي معه من laquo;العدوraquo; إلى الشريك، ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ الأحداث الأخيرة المؤسّسة على استفزاز المشاعر العقائديّة وأسس الهوية التونسيّة (والتي هي عربية إسلاميّة) من المرجّح بحسب العديد من المتابعين إلى أن تفعل فعلا عكسيّا بأن تمنح هذا laquo;الخصم السياسيraquo; فرصا لاكتساح المزيد من المواقع وكسب المزيد من المؤيدين والأنصار على قاعدة laquo;الضحية المستهدف بمؤامرات الإقصاء والاستبعاد والمحاصرةraquo;.ديمقراطية أم دكتاتوريّة؟(صحيفة الصريح التونسية10يوليو2011 ).
لقد ناضل الشعب التونسي من أجل تحقيق أهداف ثورته،المتمثلة في تحقيق الكرامة بما تعنيه السيادة، و الحفاظ على الاستقلال الوطني، و الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية،وانتماء البلاد إلى الأمة العربية، وأيضاً تحقيق الحرية الحقيقية للشعب بكل منطوياتها الفكرية و السياسية،والعدالة الاجتماعية بين الفئات الطبقية و الجهات، و تحرير فلسطين، و الوحدة العربية.
وكانت الهيئة العليا تغض الطرف عن مناقشة أهم هذه الأهداف،لاسيَّما قضية الهوية، والانتماء، و الصراع العربي الصهيوني.
وبمناسبة طرح العقد الجمهوري من جانب تيار إعادة إنتاج البورقيبية في ثوبها الجديد، الذي أُريد من خلاله إحراج العروبيين و الإسلاميين عبر محاولة فرض المبدأ الأسمى، وهو احترام حقوق الإنسان، والالتزام بالقوانين و المواثيق الدولية، كان رد العروبيين هو الالتزام باحترام هوية الشعب العربية الإسلامية،و انتماء تونس لفضائها العربي الإسلامي،و تحرير فلسطين، و رفض الاعتراف بإسرائيل أو التطبيع معها.
كما طالب التيار العروبي الإسلامي الهيئة العليا بموقف يدين مشاركة بعض الهيئة في ندوة نظمت في باريس تحت إشراف المنظمة المناهضة للعنصرية في فرنسا، فوقع التعتيم على هذا الموضوع.وفضلاً عن ذلك،شكلت قضية التطبيع مع إسرائيل إحدى نقاط الصراع المتفجرة داخل الهيئة العليا،لاسيَّما في ظل وجود أعضاء من الهيئة العليا تعودوا على زيارة إسرائيل بدعاوى مختلفة مثل النشاط الأكاديمي )عبد الحميد الأرقش، محمد العريبي شويخة).
وخرج الصراع إلى الشارع، بعدما تجرأ حزب فرنسا في تونس على عرض فيلم سينمائي في قاعة سينما فندق أفريكا :،laquo;لاربّي،لاسيدي raquo;للمخرجة نادية الفاني،الممول من وزارة الثقافة التونسية بنحو 600000دينار،ومن جهات يهودية فرنسية.فقد جاهرت هذه المخرجة التونسية بالإلحاد، وكاد الفيلم الذي عرضته أن يتسبب في حالة من الاقتتال الأهلي.ورغم محاولات هذه المخرجة امتصاص الغضب الشعبي الذي لم يتوقف عند حدود الإسلاميين المتشددين بل تعداها إلى نسبة مهمة من المتابعين للقضية، فقد أجمع الإسلاميون السلفيون في تحليلهم و أحكامهم على الفايسبوكquot;بخروج هذه الملحدة من الملة وجواز قتلها جراء المجاهرة بالإلحاد و إهانة الذات الإلهية و التجاهر بما ينافي الحياءquot;.
أما فيما يتعلق بالتصريحات التي صدرت عن المفكر التونسي الدكتور محمد الطالبي في أحد الحوارات الإذاعية السابقة، والتي استخدم فيها عبارات إساءة و شتم بحق السيدة عائشة زوجة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جلبت له السخط و الغضب من المتدينين من عامة الشعب، ومن التيارات الإسلامية المتشددة، التي أمعنت في مهاجمة الطالبي متسائلة عن الغايةquot; ممن يعتبر نفسه مفكراً إسلامياً بالإساءة للدين و التشكيك في أصوله الثابتة( التشكيك في صحة الشريعة)quot;.
وقد فجرت هذه الحادثة غضباً شعبياً في العديد من المدن التونسية، حيث خرجت مظاهرات عارمة تندد باستهداف هوية الشعب التونسي، وبدعاة التطبيع.ويعتبر التيار العروبي الإسلامي داخل الهيئة العليا أن هناك هجوماً غربياً صهيونياً يستهدف مصادرة أهداف الثورة التونسية التي تقف على رأس أولوياتها قضية الاستقلال الوطني،و الهوية العربية الإسلامية لتونس، و قضية الصراع العربي الصهيوني، وفي القلب منها تحرير فلسطين.إنه هجوم أجنبي منظم وممول لتحريف الثورة التونسية عن أهدافها،لكي تبقى دار لقمان على حالها، أي استمرار الهيمنة الأجنبية على تونس.إذ إن أخطر الأدلة على ذلك، وجود أربعة وزراء في الحكومة المؤقتة يحملون الجنسية الفرنسية، و ينتمون إلى تجمع أورو متوسطي.