رشيد الخيّون

كان يوم الاثنين (15 أغسطس) ليس كغيره مِن الأيام الدَّامية والسُّود الأُخر؛ فقد غطى طول العِراق وعرضه، مِن الكوت إلى تكريت، مروراً ببغداد وبعقوبة والنَّجف وكربلاء. أما الموصل فأيام الأسبوع كافة سُود عليها، والسَّيطرة في واقع الحال للعصابات، الجزية تؤخذ مِن البقال والحداد والموظف مقابل الحياة، لهذا لم نجعلها في العنوان، وإلا لا رغبةً في سجع الكلام.

لم يعط الاثنين الأسود إشارة طائفية، فقد شمل الجميع. أقول ذلك كي لا يتخذ الطَّائفيون المصائب أعذاراً، فلا أحد يدري مَن هم حملة الخناجر، ومَن هو المخطط والممول. إذا كان شيعياً فها هي الكوت أول المفجورات بأهلها، وإذا كان سُنياً فتكريت طعنت في مقتل منها! فما عادت دماء العراقيين تحتمل الموال، وأقولها صراحةً لا نوري المالكي انتفع به الشيعة ولا السنة انتفعوا بأُسامة النجيفي؛ وهو المثال لا الحصر على الاسمين.

لم يبق يوم مِن أيام الأسبوع لا يُنعت بالأسود والدَّامي، وكنا مِن قبل، حصرنا النَّواحس مِن الأيام في الأربعاء، أملاً بالسَّعد في الأيام الأُخر، لكن الفواجع أخذت تتراكم حتى غدت كلُّ الأيام نواحس على أهل العِراق. ولو حسبنا وأحصينا كم كارثة شهدها يوم الأثنين، وربطنها بيوم الطَّف بكربلاء (61 هـ) لكان أكثر نحساً، تلك التي أُريد لها أن تكون إحياءً للثأر بدلاً مِن استلهام تجربتها، فصارت quot;يالثارات الحسينquot; لافتة منشورة، وهي على ما يبدو أربح التِّجارات، مثلما يُتاجر اليوم بمصائب العِراقيين والوضوء بدمائهم، فهذا الاضطراب هو الأخصب للبقاء في المناصب، وما للنَّاس سوى حصاد ثمار الفواجع.

الاثنين، قبل الماضي، انحرف الوضع الأمني انحرافاً مريعاً، فالقتلى والجرحى أكثر مِن ثلاثمئة بريء، نعم صارت الفواجع متباعدة، إلى حد ما بعد أن كانت متلاحقة على مدار السَّاعة، لكنها غدت نوعية باختيار المواقع والتوزيع العادل على مدن العِراق، توزيعاً لا يُتهم بالطَّائفية.

بماذا تتفاخر رئاسة الوزراء، وهي تشجب الحدث مثلها مثل أية جمعية خيرية لا حكومة بلاد، ويبدو أنها أعدت صيغة بيان واحد تطلقه إلى وسائل الإعلام بعد كل فاجعة. تتوعد الفاعلين وتدعو للمقتولين بالجنة، ولا تنسى تسميتهم بالشُّهداء، وإذا ضحك السابقون على الدَّم العراقي بمقولة: quot;الشُّهداء أكرمنا جميعاًquot;، فاللاحقون جعلوهم طبقات، حسب القُرب والبعد.

ليس لرئاسة الوزراء، ولا نحصر الأمر في كتلة سياسية إنما نعني القرار وتصدر الدِّيوان، ما تفاخر فيه سوى تحسين الوضع الأمني، وعدا هذا لا شيء على أرض الواقع. لكن لو حسبنا المجازر المتباعدة، وسيل الدِّم المجنون فيها، لكان الأمر لا يختلف عن مجازر الأعوام السَّابقة، سوى أنها كانت طائفية وصارت شاملة، وهذا ليس بفضل الوزارة إنما يأس القتلة مِن تحريك الجمهور بالافتة الطَّائفية. فشهر يونيو السابق كان أكثر الشُّهور دموية، بعد أن نزل كاتم الصَّوت إلى السَّاحة وأخذ يفعل فعله. كذلك لم يمر الشَّهر الذي تلاه تموز (يوليو) بسلام، وها هي المقاتل تصل الذَّروة في منتصف أغسطس.

كان بيان الحكومة في شأن الكارثة، التي امتدت مِن الكوت إلى تكريت، اتهاماً للبعثيين الصَّداميين والتكفيريين، نعم لا أحد له تبرئة صداميين أو قاعدة لكنها الحرب، وأنتم فرختم مِن الصَّداميين بممارسة الثَّارات حتى جعلتم مِن المصالحة مجرد عنوان وزارة لا شأن لها، وحشرتم الموظفين فيها مِن أجل الامتيازات، وهي حقيبة فارغة، يظهر بين حين وآخر وزيرها، غير الحيادي في انتمائه السِّياسي، ببيان مصالحة مع هذه الجهة أو تلك، وما هي إلا لحظات وتظهر بيانات تُكذب ما تفوه به وزير المصالحة. كيف تكون مصالحة وهناك بيوت مسلوبة ومعاشات مقطوعة وسفارات تطرد مَن يلجأ إليها لتجديد جواز سفر، تحت ذريعة قانون الاجتثاث!

فإذا افترضنا أن الجهتين العدوتين متورطتان، لكن ماذا أعدت السُّلطة لحماية النَّاس؟! وهل كانت المعارضة السَّابقة والسُّلطة اليوم تتواخى الحيطة في تفجيراتها في الثمانينيات والتعسينيات، أم تقذف قنابلها على باب إذاعة يرتادها المذيع والمغني؟! لكن هناك سلطة، على الرَّغم مِن شدة بغضنا لها، سعت لحماية النَّاس مثلما كانت تحمي نفسها. وها أنتم تسعون إلى حماية أنفسكم بمواكب ضخمة بينما تتركون عشرين مليوناً، إذا أخرجنا نسبة المحافظات الكردستانية، عرضة للقتل اليومي. عشرون مليون عراقي ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم، ولا مسؤول أمني، ولا وزير، أو وزير بالوكالة يتحمل المسؤولية وينبض عِرق في ضميره ليعلن مسؤوليته في التَّقصير ويستقيل.

وهنا نُذكر بتاريخ الكوت، بعد أن ذَكرنا بالمدن العراقية المغتصبة بالعنف وسوء الإدارة في مقالات سابقة، وأي المدن المنكوبة اليوم ليست راسخة الأوتاد في التاريخ! كانت تسمى كوت العمارة، وربما هي مِن quot;كوثاquot; الآرامية وتعني القلعة، ولدى الصَّابئة المندائيين كتاب بعنوان quot;هران كويثاquot;. شهدت معركة حامية مع الجيش البريطاني، وهو يتقدم صوب بغداد (1917)، وعِقب تموز 1968 تغير اسمها إلى واسط. تلك التي أكمل بناها الحجَّاج (ت 95 هـ) بين 83-86 هـ.

قيل كانت مُلكاً لدَّهقان يُدعى داوردان، وقد حاول الرَّجل إبعاد الحجَّاج عنها، فتعذر له بسوء مناخها وقصر أعمار أهلها، وكانت تُسمى بواسط القصب وتمتد إلى البطائح (الأهوار)، وشُيدت على الجهة الشَّرقية مِن دِجلة، بطابوق دير مار جرجس بالموصل(الحموي، معجم البلدان). وقيل قلع الحجَّاج لها أيضاً طابوق إيوان كسرى(لغة العرب)، عندما سارت الأكلاك بها إلى واسط منحدرة مع دجلة.

وقيل إن محمد القاسم الثَّقفي (ت 95 هـ)، والي السِّند والهند، أهدى لافتتاحها فيلاً وصلها عبر الأهوار، وأُنزل على شريعتها، فسميت بشريعة الفيل، والاسم كان موجوداً حتى حياة الرَّاوي ياقوت الحموي (ت 626 هـ). هجاها بشار بن برد (قُتل 168 هـ)، قائلاً: quot;على واسطٍ مِن ربِّها ألف لعنةٍ.. وتسعة آلاف على أهل واسطٍquot;(معجم البلدان). ومَن يقرأ تاريخ الطَّبري (ت 310 هـ)، وسواه مِن المؤرخين، سيجد ذِكرها يُضاهي ذِكر بغداد والبصرة.

على أية حال، ليس بعد الدِّماء ما يُقال، فحكومة لا تحمي محكوميها ولا تحرس أموالهم، وجودها مثل عدمها. أما إصدار بيانات الشَّجب فلا يحتاج إلى رئاسة حكومة، وراتب رئاسة، ومواكب جرارة مِن الحمايات!