جهاد الخازن
عندما هدد ولي العهد في حينه (الملك الآن) عبدالله بن عبدالعزيز إدارة بوش الابن بأن تتبع المملكة العربية السعودية سياسة مستقلة لخدمة المصالح السعودية، بعيداً عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، أذعنت تلك الإدارة المتطرفة التي أدارها المحافظون الجدد فوراً للتهديد السعودي وأرسل الولد بوش رسالة الى ولي العهد أعلن فيها أن السياسة الأميركية هي دولتان مستقلتان فلسطين وإسرائيل جنباً الى جنب، ولا يزال هذا الموقف السياسة الأميركية الوحيدة إزاء الصراع العربي - الإسرائيلي.
السياسة العربية المقابلة هي مبادرة السلام العربية التي أعلنها ولي العهد السعودي سنة 2002 ووافقت عليها القمة العربية في بيروت بالإجماع.
بعد أيام يذهب الفلسطينيون الى الجمعية العامة للأمم المتحدة ليطلبوا اعتراف دول العالم بدولة فلسطين المستقلة، والموقف الأميركي المعلن هو معارضة الطلب الفلسطيني، أي تأييد الاحتلال المجرم والحكومة الإسرائيلية الفاشستية المتطرفة التي دمرت عملية السلام نهائياً.
الملك عبدالله بن عبدالعزيز لم يفقد الجرأة على تهديد الولايات المتحدة، وأرجوه ألا ينسى حكومات أوروبا الغربية التي انحازت الى النفط الليبي ضد شعب ليبيا، وهو سيفعل إذا حاولت إدارة باراك أوباما والحكومات الأوروبية حمل دول أخرى على معارضة الدولة الفلسطينية. والتهديد السعودي اليوم أقوى ألف مرة منه سنة 2002، ففي تلك الأيام كانت الولايات المتحدة في بدء فورة اقتصادية ثبت الآن أنها كانت خادعة، ومن نوع فقاعة صابون. واليوم يأتي التهديد والولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم تواجه أزمة اقتصادية خانقة سببها سياسة الحرب التي أنتهجتها الإدارة الأميركية السابقة، وانتهت بخسارة كل حرب وإفلاس أميركا. لذلك أزعم أن التلميح بالتهديد يكفي لزيادة الصعوبات الاقتصادية الأميركية، وأن تنفيذه سيفاقم الأزمة.
المملكة العربية السعودية ليست وحيدة في موقفها إزاء معارضي الدولة الفلسطينية المستقلة، خصوصاً الولايات المتحدة، فكل الدول العربية والإسلامية، مع دول الحياد الأخرى، وأميركا اللاتينية تؤيد الحق الفلسطيني. وشخصياً، أشكر تحديداً تركيا ورئيس وزرائها رجب طيب أردوغان على الموقف الشجاع الواضح الصريح من إسرائيل وعصابة الجريمة التي يسمونها الحكومة الإسرائيلية.
لا أزال أفترض أن عند الرئيس باراك أوباما كل النوايا الحسنة في العالم، إلا أنني أزداد قناعة كل يوم بأنه عاجز عن لعب دور وسيط شريف، أو محايد، في الشرق الأوسط لأن لوبي إسرائيل اشترى غالبية من أعضاء مجلسي الكونغرس باعت الولايات المتحدة ومصالحها الأساسية وأصبحت تقدم مصالح دولة محتلة متطرفة وتعمل لها وحدها. وثمة نماذج صارخة في مجلس الشيوخ ومجلس النواب عن أعضاء يمثلون إسرائيل وحدها ويعملون ضد laquo;بلادهمraquo;.
أفضل من كل هؤلاء الرئيس جيمي كارتر الذي وجدته يذكرنا في مقال له في laquo;نيويورك تايمزraquo; قبل يومين بأن اتفاقات السلام بين مصر وإسرائيل التي رعاها بنفسه نصت على احترام جميع مواد القرار 242 الذي أعلن بوضوح عدم شرعية احتلال أراضٍ بالقوة وأكد ضرورة العمل لبناء سلام عادل تعيش فيه كل دول المنطقة بأمان.
من هذه الدول الدولة الفلسطينية، فالفلسطينيون أصحاب الأرض كلها من البحر الى النهر، وهم قبلوا دولة في 22 في المئة من بلادهم فلم يقبل النازيون الجدد الذين يحكمون إسرائيل... يعني رضينا بالهم الهم ما رضي بينا.
الواقع أن القرارين 242 و338 نصا على أكثر من المشروع الذي سيتقدم به الفلسطينيون الى الجمعية العامة، وهم ما كانوا فعلوا لو كان للمفاوضات وللعملية السلمية أي أمل بالنجاح، إلا أن السلام مستحيل مع حكومة نتانياهو، وطلب إدارة أوباما في اللحظة الأخيرة العودة الى المفاوضات كذب على النفس، وعلى العالم كله، ويستحيل أن يكون الرئيس الأميركي لا يعرف أن المفاوضات مع حكومة إسرائيل محكوم عليها بالفشل قبل أن تبدأ فأسوأ علاقة له مع أي رئيس حكومة في العالم هي مع نتانياهو الذي اختلف معه في كل اجتماع بينهما.
أنصار إسرائيل، أي أنصار الاحتلال والقتل والتدمير، يعرفون أن إسرائيل في عزلة وأن نتيجة التصويت في الجمعية العامة محسومة، لذلك فقد قرأت لهم هذياناً خلاصته أن السعودية لا تستطيع تهديد الولايات المتحدة. وأسأل كيف؟ السعودية لا تحتاج الى شيء من أميركا، وهذه تحتاج الى استمرار إنتاج النفط بمعدلات عالية حتى لا تزيد الأسعار، ولا أحد يقدر على تلبية الطلب الأميركي غير السعودية.
تلبية الطلب تعني أن تنتج السعودية من النفط ما لا يحتاج اقتصادها الى إنتاجه، وما يعني حرمان أجيال سعودية قادمة من حقها في ثروة ناضبة. وبالتالي إذا لم تتجاوب إدارة أوباما مع التضحيات السعودية لإنقاذ الاقتصاد العالمي، ومنه الأميركي، فلا تلوم سوى نفسها عندما تدفع الثمن.
