توفيق المديني
في عرف السياسة الدولية المعاصرة، تعتبر كوريا الشمالية ، البلد الذي تحكمه سلالية شيوعية من طبيعة إقطاعية آخر قلاع الستالينة في العالم، حيث أن نظامها الشمولي لا يزال متشبثا و بإطلاقية بكل ما تركته الستالينية من إرث مناهض للحرية و الديمقراطية.
غير أن الزعيم كيم جونغ إيل الذي جاء إلى السلطة في سنة 1994- على إثر وفاة مؤسس كوريا الشمالية الأب كيم إيل سونغ - ليكرس الزعامة التاريخية للسلالة الشيوعية الإقطاعية الحاكمة في البلاد منذ العام 1948، توفي يوم السبت 17 ديسمبر الجاري، عن عمر يناهز ال69 سنة ، وتم إعلان نجله كيم جونغ-اون خلفا له.
كانت وفاة كيم جونغ ايل له متوقعة منذ سنة ، و لهذا السبب لم يكن مفاجأ لأحد، حتى ي ان المسؤولين الكوريين الشماليين حضروا كل شيء والنظام يبدو مستقرا، لا بل ان عهد كيم جونغ اون قد بدأ، وفي ذلك ردّ واضح ومباشر على كل الدول quot;العدوّةquot; التي املت بعد وفاة كيم جونغ إيل ،أن تخرق بتصريحاتها جداراً شيوعياً فولاذياً ونووياً، مشيرة إلى quot;أهمية التغيير والحريةquot;.فقد تم الإعداد للوراثة بشكل جيد منذ أكثر من سنة، مع تعيين كيم جونغ اون ، نجل ولي العهد ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية ، كجنرال بأربع نجوم ، والذي منح الولاء له من قبل جميع المسؤولين الكوريين الشماليين.
وقال بايك سونغ جو الذي يعمل في المعهد الكوري الجنوبي للتحليلات العسكرية، أن quot;الجيش وأسرة كيم (جونغ ايل) سيعملان على تعزيز دور كيم جونغ اون الزعيم والالتفاف حولهquot;. وأضاف ان كيم الشاب الذي دُفع منذ سنوات الى مناصب سياسية وعسكرية استراتيجية quot;لم يقم بتغييرات سياسية كبيرة طالما ظل منشغلا بإرساء سلطته.. ومن الآن فصاعدا، سيحاول تقاسم السلطة مع قادة الجيش او عقد تحالف استراتيجي معهم.. لتلافي نزاعات ممكنة على السلطة في المستقبلquot;.
في خريف العام الماضي ، كانت للتوترات العسكرية الأخيرة بين الكوريتين الشمالية و الجنوبية انعكاسات مباشرة على صعيد السياسة الداخلية للبلدين كليهما. وكانت مجمل التحاليل في كوريا الجنوبية تؤكد أن الهجوم العسكري الذي تعرضت له جزيرة يونبيونغ الكورية الجنوبية ، يستهدف تعزيز شرعية النجل الأصغر كيم جونغ أون الذي منحه والده زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ إيل رتبة الجنرال ذي الأربعة نجوم. فالشمال يريد إعلان الشجاعة العسكرية للوريث كيم جونغ أون ،وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحويل نحو الخارج سخط السكان في كوريا الشمالية .
كوريا الشمالية التي تعاني من الإسقاطات المدمرة للعقوبات الاقتصادية، و المحترفة في ممارسة لعبة حافة الهاوية ، أرادت من طريق استخدام لغة المدافع و انتهاج استراتيجية التوتير، لفت أنظار واشنطن من أنها تريد العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل رفع هذه العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها و كذلك احتمال التخلص من برنامجها النووي مقابل الحصول على مساعدات اقتصادية مجزية .
و يعتقد الخبراء الغربيون ، و لاسيما الخبير في الشؤون الآسيوية في مركز quot;كارنيغيquot; دوغلاس بال أنّ quot;الاستفزاز الكوري الشمالي يمكن فهمه انطلاقاً من عوامل عديدة: هم يريدون إظهار الحزم لتعزيز النظام والدفع بوريثه إلى الواجهة. ويريدون أيضاً أن تفتح سيول محفظتها للشمال، أي أنهم يصعدون ضد موقف لي ميونغ باك الرافض تقديم مساعدة لبيونغ يانغ. كما أنهم يأملون تقسيم الشعب الكوري الجنوبي وعزل الرئيس لي عندما يعجز عن تهدئة الوضع. بالإضافة إلى ذلك، هم يسعون إلى أن يعترف العالم بكوريا الشمالية كقوة نووية مع طرحهم عددا من الضوابط لقاء الحصول على الثمنquot; .
كان الزعيم كيم جونغ إيل يريد من خلال إمساكه بالملف النووي ، ابتزاز الولايات المتحدة الأميركية ن و الدول الغربية، و كوريا الجنوبية، و اليابان ، من اجل توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة الأميركية ، يضمن بقاء نظام كوريا الشمالية على قيد الحياة.
والواقع أن quot;حرب كورياquot; (1950-1953) انتهت بهدنة، لا باتفاقية سلام. وبقي 37000 جندي أميركي مرابطين في كوريا الجنوبية. بينوغ يانغ، العاصمة الشمالية، التي تؤكد على حاجتها إلى برنامج نووي، تسبب الكثير من الجدل، تقول بأنها استحدثته لحماية نفسها من أي quot;هجومquot;أميركي عليها. ولطالما ناشدت واشنطن من أجل توقيع اتفاق سلام معها. أما الولايات المتحدة فتجيب بأن مفاوضات كهذه لا يمكن استئنافها إلا بعد عودة كوريا الشمالية إلى مفاوضات سداسية (تضم الكوريتين واليابان والولايات المتحدة وروسيا) وتبحث في السلاح النووي الكوري الشمالي، كانت بيونغ يانغ قد وضعت لها حدّاً في نيسان من العام الماضي. ذاك البرنامج النووي الذي تقول عنه quot;الواشنطن بوستquot;، بعد عودة أحد العلماء الأميركيين من بيونغ يانغفي خريف العام الماضي ، بأن هناك مصنعاً ضخماً لتخصيب اليورانيوم صار يحتوي على مئات من الرؤوس النووية.
في هذا السياق المتوتر يتّفق العديد من المحللين أن النظام الشيوعي الشمالي الذي يخشى التدخلات الخارجية، خصوصاً بعد الغزو الأميركي للعراق، يعتبر بأن اتفاقاً للسلام يمكن أن يشكل ضمانة له. سيما وأن النظام الحالي، الذي يتلقف التوترات الراهنة لينادي بالوطنية، ويعبئ مواطنيه من أجلها، هذا النظام منخرط في عملية توريث هشّة لصالح كيم جونغ ايل، الابن الصغر لكيم ايل جونغ.
و كان نظام بيونغ يونغ مدعوم بقوة من الصين ، التي تريد إبقائه على قيد الحياة عبر تزويده بمواد غذائية ووقود، لأنها تخشى من تداعيات انهياره، لأنه في هذه الحالة سوف يتدفق ملايين من الكوريين الشماليين باتجاه الصين ،هرباً من الجحيم الذي يعيشون فيه.وسوف تسيطر
سيول على كامل شبه الجزيرة الكورية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي جعل القوات الأميركية تتموقع على الحدود الصينية، وهذا ماترفضه بكين .
يعتبر وصول كيم جونغ - أون إلى السلطة فاتحة لتغيرات عديدة في كوريا الشمالية حسب آراء المحللين الغربيين ، فهو شاب صغير لا يتجاوز عمره 28 عاما، بينما كان عمر والده حين وصل إلى السلطة يتجاوز الخمسين عاما.إنه يمتلك عقلية منفتحة، على نقيض والده و جدّه، كونه درس في مدرسة خاصة في سويسرا، و التقى مع العديد من الأشخاص من جنسيات مختلفة، و يتكلم لغات أجنبية عديدة، منها الإنكليزية، و الفرنسية، و الألمانية.
فهل سيشهد النظام الكوري الشمالي تغييرات في سياسته الخارجية؟
يقول المحلل بايك هاك سون من مركز quot;سيغونغ اينستيتوتquot; في سيول عاصمة كوريا الجنوبية ، ان انتقال السلطة الى كيم جونغ اون الذي لم يبلغ بعد الثلاثين من العمر، لن يؤدي الى quot;تقلبات فورية في السياستين الداخلية والخارجيةquot; لكوريا الشمالية، مضيفا ان التصريحات الاولية التي صدرت عن النظام تؤكد ان كيم جونغ اون quot;يمسك بحزم بزمام السلطة وأن كل المسؤولين في عهد كيم جونغ ايل قرروا في الساعات الـ48 الاخيرة دعم الابن كزعيم جديدquot;.
أما في السياسة الخارجية، فيرى المحللون ان لا مصلحة للنظام في اعادة خلط الاوراق من جديد بينما تجري مشاورات مباشرة بين بيونغ يانغ وواشنطن تشير الى احتمال حدوث انفراج بعد سنوات من التوتر بشأن البرنامج الكوري الشمالي. ويقول بايك سونغ جو ان الكوريين الشماليين quot;سيعبرون عن استعدادهم بالتأكيد لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة الحداد.quot;ويرى خبراء أن من المرجح أن يسير كيم الابن على الطريق العسكري ذاته فيحتفظ بقبضة قوية على واحد من اكبر جيوش العالم، ويمضي قدما في برنامج للتسلح النووي في مواجهة غضب دولي.
في الواقع ما تبحث عنه بيونغ يونغ من خلال المساومة على برنامجها النووي، هو ضمان بقاء النظام وشرعيته. وعلى نقيض عدة دول أخرى تمتلك أسلحة نووية، لا يبدو أن كوريا الشمالية تبحث عن التأثير في الوضع الدولي أو الإقليمي، بيد أنها تريد قبل كل شيء تأكيد شرعيتها السياسية.
كوريا الشمالية التي تناطح الكبار في ما يتعلق ببرنامجها النووي، هي دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 23 مليون نسمة. وحسب تقديرات وزارة الخارجية الأميركية، فإن نصيب دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بلغ حوالي 200 دولار سنة 2008، الأمر الذي يجعل كوريا الشمالية تحتل المرتبة 189 في سلم الترتيب العالمي. أما صندوق الأمم المتحدة المعني بالطفولة، فإنه يقول إن هناك 42% من الأطفال الكوريين الشماليين الذين هم دون سن السابعة، يعانون من تخلف في النمو، وهناك 70 ألف طفل يعانون من نقص فادح في التغذية في كوريا الشمالية.
وكانت كوريا الشمالية تعرضت في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، لمجاعة كبيرة أودت بحياة مليون شخص. غير أن السلطات الرسمية تقول إن إنتاج القمح سيبلغ 5 ملايين طن في هذه السنة، أي بزيادة 7% عن سنة 2008، الأمر الذي سيمكن الدولة من تقديم الغذاء إلى السكان لكي يسدوا رمق عيشهم.
بيد أن الخبراء الأجانب المقيمين في بيونغ يونغ يشككون في هذه الإحصائيات الرسمية، في ظل غياب التقديرات التي تقدمها المصادر المستقلة، مثل البرنامج العالمي للغذاء، ومنظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة quot;الفاوquot;، اللذين توصلا إلى نتيجة محددة بأن العجز الغذائي في كوريا الشمالية بلغ 80 ألف طن سنة 2008، رغم توافر عوامل مناخية مشجعة، إضافة إلى الأسمدة المخصصة للزراعة.
كوريا الشمالية موضوعة على القائمة السوداء في ما يتعلق بتلقي المساعدات الإنسانية، والسكان هم الضحايا الأوائل، بسبب طبيعة النظام الشمولي الذي يفضل البرنامج النووي الاستعراضي الحامي الوحيد لبقاء السلالة الشيوعية الوراثية في الحكم، بدلا من تأمين الغذاء لشعبه.
