زهير قصيباتي
الربيع العربي في الأمم المتحدة مجدداً... الرئيس أوباما يخاطب زعماء العالم كأنه يتلو بياناً انتخابياً، و laquo;يهرولraquo; إلى حملته.
الرئيس محمد مرسي نجم الشاشات في أميركا لأيام، الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة ليطمئن العالم والأميركيين خصوصاً إلى أن laquo;الإخوان المسلمينraquo; في مصر ليسوا إخواناً لحركة الشباب في الصومال التي تهدد بتصفية جميع النواب المنتخبين... وليسوا أولئك laquo;الجهاديينraquo; الذين صوّرهم ملصق في مترو أنفاق نيويورك، متوحشين لا يمكن المفاضلة بينهم وبين laquo;إسرائيل المتحضرةraquo;!
وإن كانت رحلة مرسي إلى نيويورك تمريناً أولياً على علاقات عامة مع عشرات من الرؤساء، فانهماك الرئيس الأميركي باراك أوباما بحملته الانتخابية ومغادرته بيت الأمم المتحدة بعد كلمته، أعفياهما معاً من حرج اللقاء بين رئيس القوة العظمى في العالم، ورئيس قوة إقليمية عربية، laquo;لا هي حليف ولا عدوraquo; للولايات المتحدة.
إطلالة أولى عالمية للرئيس المصري، أصر خلالها على إبلاغ الأميركيين أنه لم يعد laquo;إخوانياًraquo; بل على رأس دولة، لا دينية ولا عسكرية. وهو لم يفوّت فرصة الرد على laquo;رسالةraquo; أوباما المنزعج من التظاهرات امام سفارة أميركا في القاهرة، ليذكّر الإدارة الديموقراطية بأن مصر لم تعد laquo;التابعraquo; في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
laquo;النجمraquo; الثاني الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، لا يهرول إلى ولاية رئاسية جديدة، بعدما أحرقت عنترياته في الداخل كل حظوظه. لا بأس إذاً في تجاهل نصائح laquo;صاحبraquo; البيت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي بدا كمن يذكّره بأنّ الجمعية العامة ليست جامعة طهران، وبأنّ نزق الشعارات الكبيرة عملة غير متداولة في حضور أكثر من مئة من زعماء العالم.
وإن كان لمرسي أن يجرّب حظوظه مع الأميركيين، خصوصاً في فك الارتباط بين المساعدات الاقتصادية لمصر وسلوك المسار التقليدي في سياساتها العربية، فنجم نجاد الآفل لم يعد يسترعي اهتمام أحد، إلا إسرائيل التي تتاجر بشعاراته (محو إسرائيل، زوالها...) ابتزازاً تلو آخر لإدارة أوباما.
السلاح laquo;النوويraquo; الإيراني، لم يغفله الرئيس الأميركي رغم أسبوع الغضب الذي حاصر سفارات الولايات المتحدة إثر ذيوع الفيلم المسيء الى الإسلام، وكان الحاضر الأكبر في الجمعية العامة. طوى أوباما المسألة سريعاً، ولا ضمان بعدم تكرار أشرطة مماثلة، رغم دعوته الى معالجة التوترات بين الغرب والعالم العربي. وهي دعوة ضبابية ترخي مسؤولية العلاج على كاهل المنطقة، أياً يكن المفعول laquo;السحريraquo; لتحية أوباما الموجهة الى laquo;الربيع العربيraquo;.
والحال أن رئيس القوّة العظمى لم يَعِدْ الربيع العربي بشيء، ولا بتذليل مساره في محطته السورية، حتى تعهّده منع القنبلة النووية الإيرانية، محاولة أخرى لكسب أصوات اليهود الأميركيين، بعدما استنفد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كل جهوده لدق إسفين بين الإدارة الديموقراطية والناخبين اليهود في الولايات المتحدة.
laquo;هرولraquo; أوباما سريعاً ليعود الى حملته الانتخابية، مشترطاً لـ laquo;فلسطين مستقلةraquo; الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وقبول إسرائيل أن تكون فلسطين مستقلة! وهل أسخى من وعد كهذا لكسب قلوب يهود اللوبي الذي نجح في محو أي أثر لخطاب أوباما في القاهرة، بداية ولايته؟
وأما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي أجاد في التعبير عن تعاطفه مع السوريين المحاصرين بحِراب القتل والمذبحة الكبرى، فيُدرك كسواه من زعماء دول الغرب أن دموعه لن تنقذ طفلاً ولا امرأة في حلب أو حمص وحماة ودمشق، ما دام زعيم الكرملين فلاديمير بوتين قادراً على رفع إصبعه بالفيتو في مجلس الأمن، حريصاً على ترك السوريين يعالجون أزماتهم بأيديهم!
حتى في الجمعية العامة، بدت فلسطين باردة، بدت سورية المنكوبة على طريق محنة طويلة.
ليست الأمم المتحدة منذ ولادتها، المكان الأفضل للتسويات، ولا لحفظ السلام العالمي، رغم كل ما يرد منمقاً، عادلاً وأخلاقياً في ميثاق المنظمة الدولية. فإذا كانت العدالة هدفاً إنسانياً تدافع عنه الديموقراطيات، فلا بد من البحث عن ديموقراطية مجلس الأمن، المتهم بديكتاتورية laquo;الفيتوraquo;.
إصبع واحدة تكفي في المجلس لتمديد عمر مجازر. وسواء كان laquo;الفيتوraquo; التقاء مصالح مبطناً يعفي الآخرين في نادي الكبار من مواجهة الوقائع وحماية المدنيين، أو صيغة عفّ عليها الزمن بمرور ستة عقود بعد عصبة الأمم، فالأوْلى بالمطالبين في الغرب بتعميم الإصلاح الديموقراطي في الشرق العاثر، البدء بالدفة التي تدير شؤون العالم.
حتى في الجمعية العامة، باتت فلسطين باردة، وسورية على الطريق. وأما بكاء الأطفال على جثث الأطفال، فمجرّد صُوَر.
