عرفان نظام الدين
جاءت أحداث مالي لتؤكد عزلة العرب وفقدان دورهم الإقليمي والدولي والأفريقي، خصوصاً بعد تقسيم السودان والجو العدائي الذي بدأ يحرّض ضد الإسلام والعرب.
ويشتكي العرب دائماً من مواقف الغرب وعدم القدرة على إقناع الرأي العام العالمي، والغربي بالذات، بتأييد قضاياهم العادلة، ولا سيما قضية فلسطين، أو على الأقل تفهمهم لها واقتناعهم بالكف عن الانحياز إلى إسرائيل والضغط على الحكومات لدعم مبادرة سلام تعيد الحق إلى أصحابه وتنهي الاحتلال الصهيوني وتعطي الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وفي مقدمها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
هذه الشكوى التي تخللتها نوبات بكاء ونواح وصرخات شجب واستنكار وتنديد وحفلات اتهام وحملات إعلامية قد تكون محقة، لأن الظلم مؤلم، والتمادي فيه يثير الأحقاد والكراهية والثقة، لكن العرب عموماً يتناسون تقصيرهم المتمادي ويتجاهلون القصور السياسي والفكري والإعلامي في التعامل مع الغرب ومخاطبة الرأي العام والضغط على الحكومات.
ولو وضعنا معضلة العلاقات العربية والإسلامية مع الغرب جانباً، لأنها تحتاج إلى ملفات ومعلقات، لجاز لنا التساؤل عن التقصير العربي المتمادي في كسب ود الشعوب المستعدة لتفهم قضايانا والدفاع عنها ومن ثم إضاعة الدول المؤيدة الواحدة تلو الأخرى وخسارة شعوبها بشكل مؤسف من دون أن يتنبه أحد إلى خطورة هذا الأمر ويحذر من الانعكاسات المصيرية والنتائج السلبية على مجمل القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، وصولاً إلى القضية المائية التي ستبرز إلى الواجهة إن عاجلاً أو آجلاً، وقد تتحول إلى فتيل اشتعال حروب المستقبل.
ومرة أخرى لنترك الدول الإسلامية وشعوبها المستعدة للتأييد الكامل والدعم اللامتناهي للقضايا العربية جانباً، لأنها تحتاج بدورها إلى بحث مطول نظراً إلى التقصير العربي المتمادي في كسب ودها وإقامة أفضل العلاقات معها ولنركز على أفريقيا التي تعمل عدة جهات مغرضة على قطع جميع جسورها مع العرب بعد أن كانت الأساس والأهم في طرق تسير على اتجاهين وتعمل باستمرار لتعميق الروابط وتوحيد التوجهات وتبادل العلاقات الودية والعملية.
ومن يتابع مجريات الأمور خلال العقود الماضية يجد أن المؤامرة، وأؤكد عليها، نجحت في قطع هذه الجسور بشكل منهجي ومتواصل وعلى مختلف الجبهات من دون أن تلقى من العرب، من القمة إلى القاعدة، أيَّ اهتمام، وكأن الأمر لا يعنيهم، رغم أن كل من يفهم في الجغرافيا السياسية والتاريخ المشترك يدرك أبعاد هذه الخسائر المتتالية على الطرفين، أي الدول العربية والأفريقية، إلا أن حجم الخسارة على العرب أكبر وأشد خطورة وعمقاً، لأن أفريقيا كانت تمثل على الدوام الامتداد الطبيعي والاقتصادي والسياسي للعرب والسند والظهير القوي لقضاياهم ومنعتهم والمؤيد الدائم والمخلص والداعم لقضاياهم، ولا سيما قضية فلسطين.
فالمشهد الأفريقي اليوم مختلف تماماً عما كان عليه في القرن الماضي، والأجواء مسمومة تثير موجات من العداء للعرب واللامبالاة بقضاياهم أو الانحياز إلى إسرائيل وإقامة علاقات سياسية واقتصادية متينة معها أو الاتجاه غرباً وسط تقاسم جديد للنفوذ بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والصين. وللتدليل على هذا التحول، نشير إلى بعض الوقائع على سبيل المثال لا الحصر:
bull; تنفيذ مؤامرة تقسيم السودان، وبدء مسيرة انحياز الجنوب المستقل إلى إسرائيل والغرب وتعميق النفوذ الصهيوني بعد أكثر من 30 سنة من التآمر والحشد والتحريض وإشعال نار حرب دامية انتهت بالانفصال وسلب الثروات المعدنية وحقول النفط من الشمال العربي وتهديد الأمن المائي لمصر والسودان بعد ظهور مؤشرات على تكتلات لدول حوض النيل في وجه البلدين العربيين، ما يهدد بحروب مستقبلية طاحنة.
bull; ابتعاد العرب عن التضامن مع الدول الأفريقية لأسباب كثيرة، من بينها التشرذم داخل الصف العربي وتدخلات البعض في إثارة الخلافات والتدخل العسكري والسياسي في الشؤون الداخلية الأفريقية، وهو ما كان يقدم عليه الرئيس المخلوع معمر القذافي، الذي أفقر ليبيا واستنزف ثرواتها في حروب عبثية في تشاد وغيرها لقاء لقب زائل أعطي له نفاقاً، وهو laquo;ملك ملوك أفريقياraquo;، ويا له من لقب كاذب ومزعوم.
كما أن السودان دخل بدوره صراعات مع تشاد وأوغندا وكينيا ومعظم دول الجوار بعد أن جاء إلى الحكم ما يسمى بثورة الإنقاذ التي أغرقت البلاد وأفقرت العباد وأدى تهورها إلى فصل الجنوب وحروب الشمال والشرق والغرب من دارفور إلى كسلا ومن النوبة إلى كردفان.
والمؤسف أن هذه السياسات دمرت أهم الجسور الأفريقية-العربية، فقد كان السودان الرابط الأول بين العرب والأفارقة ومصدر الدعوة ونشر الإسلام في أفريقيا عبر العصور ورمز التسامح ومركز التجارة والتعليم والتعاون مع شعوبها.
bull; تعدد وسائل محاربة العرب والإسلام في أفريقيا وتمثلت إما في انتشار حملات التبشير أو إثارة الأحقاد ضد التجار والمقيمين العرب ولا سيما اللبنانيين المنتشرين على امتداد القارة السمراء. وقد شهدنا خلال السنوات الماضية المآسي التي تعرضوا لها والحملات المنظمة لتدمير مؤسساتهم ونهب ثرواتهم وقتلهم وتهديدهم لحملهم على الرحيل.
ودخلت إيران على الخط لدعم نفوذها في أفريقيا ونشر التشيع فيها، فيما أصبحت إسرائيل اللاعب الأكبر التي تقيم علاقات مع معظم الدول الأفريقية بإغراءات التسليم ونهب الثروات تحت ستار المشاريع والتعاون.
bull; تهافت الدول الكبرى على اقتسام مناطق النفوذ في أفريقيا بسبب أزماتها المالية بعد أن وجدت في دولها ضالتها كأسواق لسلعها وأهم مصدر للثروات المعدنية والطبيعية.
bull; خلافات العرب وانقسامهم وتأثير أزماتهم على أفريقيا ولا سيما قضية الصحراء المغربية التي قسمت أفريقيا بين مؤيد للجزائر وآخر للمغرب، إضافة إلى أصداء العداء مع السودان وليبيا وانحياز بعض الدول إلى أنظمة ضد شعوبها.
bull; بروز تيار laquo;القاعدةraquo; والتطرف تحت ستار الدين ووقوع أحداث وأعمال عنف كان آخرها في نيجيريا، التي شهدت اعتداءات من قبل منظمة laquo;بوكو حرامraquo; ضد الكنائس والمؤسسات المسيحية.
كل هذه المؤشرات مجتمعة قوبلت بتقصير عربي على مختلف الصعد، ولا سيما الإعلامية، إذ إن العرب لم يفكروا يوماً بمخاطبة الأفارقة مباشرة بإصدار صحف بلغاتهم وتوجيه محطات تلفزيونية فضائية إلى الرأي العام الأفريقي لكسب ودهم وتأييد قضاياهم وإقناعهم بأهمية العلاقات مع العرب والمصالح المشتركة للطرفين.
وسررت كثيراً لاختيار مهرجان الجنادرية للثقافة والتراث في الرياض العلاقات العربيةndash;الأفريقية كموضوع أساس في ندواته بمشاركة شخصيات عربية وأفريقية بارزة ساهمت في إلقاء الضوء على كثير من الحقائق وقدمت الاقتراحات والحلول لإقامة أفضل العلاقات بين الجانبين وإعادة وصل ما انقطع بينهما.
وفي هذا المجال، أعددت مداخلة انطلاقاً من مجريات الحوار تدعو إلى دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى أهمية إعادة ترميم الجسور التي قطع بعضها الأعداء، وقطعنا بأيدينا بعضها الأخر، وهذا لا يتم إلا بالمصارحة التامة والشفافية والاعتراف بالأخطاء والمسارعة إلى فتح حوار بناء وتعزيز العلاقات وإقامة مشاريع منتجة تعيد الود بين العرب والأفارقة وتؤمن المصالح المشتركة.
ولعل أبرز شروط المصالحة الاعتراف بالتقصير الكامل للعرب وتعاملهم مع الأفارقة بعنصرية كاملة لا تختلف عن عنصرية الأجانب، والنظر إليهم بفوقية أو بعدم اهتمام بمشاعرهم وحساسياتهم ورغبتهم في العيش بكرامة وندية وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية التي لا تفرق بين عربي وأعجمي ولا بين أسود وأبيض إلا بالتقوى.
والأنكى من كل ذلك أن العرب يتعاملون بفوقية وعنصرية بعضهم مع بعض، وكم اشتكى لي أهلنا وإخواننا في المغرب العربي من إهمال المشرق لهم وعدم الاعتراف بخصوصياتهم وأدوارهم التاريخية وإنجازاتهم الفكرية والثقافية والفنية والأدبية ومؤهلات شعوبهم التي يمكن أن تكون قدوة وتقف في الطليعة في بناء الجسور ليس بين العرب وأفريقيا بل بين العرب والغرب، نظراً لنفوذ الجاليات المغاربية في دوله.
إنها ساعة الحقيقة، ولحظة التأمل في كل ما شهدته العلاقات العربيةndash;الأفريقية على مدى العقود المنصرمة. فهل هناك من مجيب على الدعوات الملحة لترميم الجسور وإحباط المؤامرات الصهيونية والأجنبية لقطع هذه الجسور وتدميرها نهائياً؟ إنه سؤال ملح نأمل ألاّ يتأخر الرد عليه فنأكل أصابعنا ندماً ونتبادل الاتهامات حول المسؤول عن هذه السقطة... نعم إنه أمر مصيري فعلينا ألا نستخف به رغم كل ما نشهده من أمور مصيرية أخرى داخل كل دولة وعلى مستوى الوطن العربي.
