محمد رضا
سواء أخذنا في الاعتبار الأوضاع المستجدّة في بعض دول العالم العربي مثل مصر وسوريا وتونس، أو نظرنا إلى المسألة على نحو فني خالص فقط، فإن مركز الثقل في السنوات الثلاث الأخيرة بالنسبة للسينما العربية انتقل إلى بعض الدول الخليجية بلا ريب . هذا ليس انتقاصاً من تاريخ السينما في هذه الدول أو في بلدان أخرى مثل لبنان والجزائر، بل هو رسم لواقع حاضر يستحق الاهتمام لأنه مستجد وجيّد في الوقت ذاته .
كان طبيعياً، مع بدء ثورات الربيع العربي، أن ينطلق سينمائيون مختلفون لتسجيل الأحداث بكاميراتهم الصغيرة . ومن غير الطبيعي ألا يتحرّك هؤلاء لتوظيف السينما في خدمة الحدث أو لاستغلال الفرصة الحاصلة لتسجيل رؤاهم للوضع . إنه وضع مغر بحد ذاته . السينمائي المثقّف وغير المُقيد بأجندات السياسة والسياسيين على أي جانب، يشعر بأن عليه مسؤولية الإدلاء بشهادته أو بموقفه، قد يفعل في اللحظة ذاتها أو التي تليها مباشرة، كما فعل أحمد رشوان الذي حقق أحد أفضل الأفلام التسجيلية عن ثورة ldquo;ينايرrdquo; وهو ldquo;مولود في الخامس والعشرين من ينايرrdquo;، وكحال يسري نصرالله الذي أنجز بعد أشهر من قيامها ldquo;بعد الموقعةrdquo;، أو قد يتوخّى الانتظار وتكوين الرأي الأبعد لاحقاً كما فعل إبراهيم البطوط في ldquo;الشتا اللي فاتrdquo;، منجزاً أفضل عمل سينمائي تحدّث عن الوضع المصري من دون أن يحصر نفسه في أطار الحدث الآني وحده .
والملاحظ أن معظم الأفلام الجادّة التي تناولت الثورة المصرية لم تموّل محليّاً بل شاركت فيها جهات عربية (وفي أحيان محدودة) أخرى أجنبية .
المسألة على أهميّتها، ذات سبب بسيط: السينما الخليجية التي تنتمي إلى مجموعة متضامنة ومستقرّة من دول العالم العربي، هي التي تمسك اليوم بزمام الأمر على أكثر من نحو . والحقيقة أنها لا تشترط مواقف سياسية ولا هي تربط المعونات بأي نوع من الرقابات، وهذا إنجاز رائع وحضاري بحد ذاته . ولا يخفى أن التمويل انتقل، في الكثير من الحالات، من المنتج المحلّي في مصر وسوريا ولبنان والعراق و- أحياناً- تونس والمغرب والجزائر إلى الخليجي . المهرجانات الخليجية، خصوصاً دبي وأبوظبي والدوحة، باتت مقصداً ليس فقط بسبب جوائزها المادية الكبيرة، بل بسبب ما أنشأته من ورش عمل وصناديق تمويل ومعونات توزيعية أيضاً .
هذا في الوقت الذي أخذ فيه العامل الأوروبي يتراجع عما كان عليه ذات يوم، فتمويل أفلام لبنانية ومصرية وتونسية وعربية أخرى لم يعد يجني أي ثمار تجارية تستحق التجارب إلا في القليل جدّاً من الحالات . ومرّت تلك الفترة التي كان فيها سقف التوقّعات أكبر وفرص تحقيق فيلم تونسي أو لبناني أو مصري أو فلسطيني نجاحاً جماهيرياً ملحوظاً أكثر توفراً . اليوم نجد أن قلّة من الأفلام المنتجة ما بين دولة عربية وفرنسا أو بلجيكا أو سواهما، تبرر للمنتج الأجنبي استثمار ماله في السينما العربية .
الأكثر من ذلك، أن الفيلم العربي الذي اكتسح العالم شهرة وإقبالاً هذا العام لم يأت من لبنان (كما حال ldquo;هلق لوين؟rdquo; لنادين لبكي) ولا من مصر (كما كانت تفعل بعض أفلام يوسف شاهين)، بل من المملكة العربية السعودية . الفيلم هو ldquo;وجدةrdquo; الذي هلل له النقاد العالميون وجمع حشداً كبيراً من هواة السينما البديلة في العواصم الغربية .
والحال هكذا، فإنه من الطبيعي أن يختار التمويل القادم، من أي مصدر كان، المشاريع بعناية أكبر . وإذ انحسر الضوء الغربي بدا كما لو أن ضوءاً آخر من الشرق سطع متمثلاً بقيام صناديق الإنتاج والدعم الخليجية (في الإمارات وقطر على الأخص)، بسد تلك الثغرة وتمويل عشرات الأفلام قصيرة وطويلة، تسجيلية أو روائية . على أن ميل الميزان لمصلحة الدول الخليجية في هذا الشأن ليس جديداً إلا من حيث أن نتائجه أكثر جدّية من أي وقت سابق . ففي العقود القريبة الماضية قامت شركات تلفزيونية عربية ldquo;روتاناrdquo; وrdquo;أيه آر تيrdquo; تحديداً بمساعدة الإنتاج المصري على العمل في وقت أخذت تعصف به بوادر الأزمة الصناعية . لكن المشكلة هي أن ما كانت تطلبه تلك الشركات من الأفلام المصرية هو ما يناسب برامجها واهتماماتها هي، وليس ذلك المستوى الجيد الذي تسعى إليه المؤسسات والمهرجانات المذكورة، ما يخلق فارقاً نوعياً بالغ الأهمية .
مجمل الوضع أن السينما (كما البرامج التلفزيونية في الواقع) في دول الربيع العربي تجاوزت حالة الوقوف عند مفترق طريق، إلى وضع حرج . أمامها اختيارات بلا ريب، لكن ليس من بينها ما يطلقها من جملة معوقات عاشتها قبل تلك الثورات ولا تزال بعدها . لذلك فإن خشبات الخلاص تتبدّى أمام الجميع بالبقاء في نطاق التعامل مع الدول الثابتة، تلك التي تتمتع بفصول طبيعية طوال أيام السنة .
