عزت صافي: خرج مشروع قانون إعلان إسرائيل «دولة يهودية» والعرب في أسوأ أحوالهم وأوضاعهم من جميع النواحي: الوطنية والقومية. الأمنية والاقتصادية. السياسية والثقافية. ويمكن القول إنهم في أدنى درجات وزنهم العسكري والمعنوي في المعادلة الدولية، بل ما كان عدو لهم يتصور أنهم سيبلغون هذا الدرك من التراجع والهبوط منذ بدايات عهدهم بالاستقلال، ولا حساب معهم على الحرية والعدالة والديموقراطية.
&
صورة قاتمة في التاريخ العربي الحديث. وتكفي نظرة سريعة على الأرقام المتصاعدة لأعداد الضحايا ومساحات الحريق والدمار لنتبيّن كيف تبدلّت حدود الخرائط لتقوم «الوحدة» بين خيام العزاء.
&
وإذا ما نظرنا إلى سورية، قلعة العروبة، ومنبت الثورات، وسارية راية الجهاد، وجبهة الردع والتصدي، فكيف نراها؟
&
سورية، الرمز والعنوان، صارت أرملة، ثكلى، مجلببة بالسواد، على زندها رضيع يتيم الأب، وشقيق وخلفها «شلّة» أيتام من أولاد صبيان وبنات، ولا يهمها ما إذا سألها أحد: من دمّر بيتك، وقتل زوجك، وأولادك، وشرّد من بقي من عائلتك؟
&
وما نفع أن تقول للسائل: إن من فعل ذلك هو من جيش النظام، أو الجيش الحر، أو «داعش» أو «النصرة»، أو أي زمرة من زمر الشاردين عبر الحدود من أقطار الأرض كافة؟ كل الكلام منثور في الهواء. فسورية اليوم تمدّ يدها على أرصفة الشتات.
&
ومتى مدّت سورية يدها؟
&
لغير الله ما مدّت سورية يداً، إلا لتصافح أخاً أو حليفاً من أهل الجهاد والشهامة والشهادة.
&
عبر التاريخ القديم والحديث كانت سورية «المطهر» من أرجاس الطائفية والمذهبية والفئوية. وحدها الخيانة كانت تستحق منها القتل. فبأي جرم قُتلت ويُقتل آلاف بعد آلاف من أجيال سورية، ويُهدر الدم وتُخطف الأرواح ببرق نصال السيوف والخناجر، وبالبراميل المتفجرة تتساقط من السماء على المدن والمزارع وكأنها المطر البديل بعد سنوات من القحط والجفاف؟
&
في ختام شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وقف رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا فرنسيس حافي القدمين تحت قبة «الجامع الأزرق» في اسطنبول، وتوجّه نحو القبلة، وأدى «صلاة تأمل» لمدة دقيقتين، وعلى الجدار أمامه سورة مريم، ثم انتقل الى كنيسة «آيا صوفيا» التاريخية.
&
ومن فسحة بين الديانتين والقداستين وجّه بابا الكاثوليك فرنسيس والبطريرك المسكوني للأرثوذكس برتلماوس الأول نداء مشتركاً إلى العالم عنوانه «لن نقبل أبداً بشرق أوسط من دون المسيحيين»، وطالبا بوضع حد للاضطهاد الذي تتعرض له الأقليات الدينية في العراق وسورية، ما أدى إلى اضطرار الكثيرين منهم لمغادرة منازلهم بسبب العنف.
&
هكذا، تجمع المحنة في بلاد الغربة بين من شردهم القهر والإجرام وانتزعتهم من حضن الوطن. لكن الحبرين الأعظمين للمسيحيين في العالم يدركان أن ثمّة أيضاً آلاف الضحايا والمشردين من المسلمين السوريين والعراقيين يفوق عددهم آلاف الضحايا والمشردين من إخوانهم المسيحيين في الأقطار العربية والخارج، أما المجرم فواحد، مهما تنوعت أسماؤه وصفاته، ثم إن حظ المسيحيين في الغربة أوفر قليلاً من حظ إخوانهم المسلمين.
&
إنها الكارثة التي قد تكون في بداياتها مع مشروع «إسرائيل دولة يهودية» في فلسطين، بل لفلسطين. فمع دولة عنصرية صهيونية لا مكان لأي عربي مسلم أو مسيحي، أو من أي ديانة أو مذهب أو عرق.
&
لم يخرج مشروع «الدولة اليهودية» من الغيب. إنه الوعد، أو الحلم الصهيوني منذ أسطورة عصا موسى التي شقّ بها البحر ليعبر من ضفاف النيل إلى ضفاف فلسطين، وعينه على ضفة الفرات. ولعله في تلك الرحلة الخرافية كان يرفع راية نجمة داود. لكن الوارد في نصوص الأديان والإيمان أن دم السيد المسيح يبقى عالقاً على أصابع اليهود الأوائل في فلسطين، وهؤلاء أورثوا ذريتهم لعنة لن يمحوها الدهر ما دام هناك ناقوس يرن فيذكّر المسيحيين بيوم الجلجلة وبعده القيامة.
&
عام 1964، عقد المجمع المسكوني في حاضرة الفاتيكان جلسة عرض خلالها مسألة تاريخية تعود إلى عصر السيد المسيح يوم رُفع على الصليب، بحسب العقيدة المسيحية، مثخناً بالجراح والدم يسيل من جبينه ومن صدره ويغطي جسده العاري إلا من مئزر.
&
يومذاك ارتكب آباء اليهود وملوكهم في فلسطين الإثم الذي ستولد بعده رسالة المسيحية التي بدأ منها التاريخ الميلادي قبل 2014 سنة. ولأن المسيح أوصى بالغفران فقد صدرت عن ذلك المجمع المسكوني مبادرة تجاه اليهود اعتُبرت تاريخية، إذ تضمنت نصّاً يعني براءة الشعب اليهودي من جريمة صلب السيد المسيح. وقد تلقفت إسرائيل والمنظمات الصهيونية العالمية ذلك القرار لتجعل منه شهادة على أن اليهود براء من لعنة التاريخ.
&
بيد أن البطريرك الكاثوليكي العربي مكسيموس الرابع الذي كان عضواً مشاركاً وحاضراً في المجمع المسكوني في الفاتيكان أوضح في حينه لبساً أحاط بالقرار، فأدلى لجريدة «النهار» اللبنانية بتصريح قال فيه: «إن ما سُمّي خطأ «قراراً» لا يعدو أن يكون نصاً عمومياً حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية، وإن ذلك النص الذي ورد في معرض الكلام على الديانة اليهودية إنما تضمن دعوة إلى الكهنة والواعظين المسيحيين ألّا يعتبروا اليهود كلهم مجرمين، لأنهم لم يشتركوا كلهم في صلب المسيح، بل رؤساؤهم وأفراد منهم».
&
وأضاف البطريرك مكسيموس الرابع: «... إنما لا ينتج عن ذلك أنهم كلهم (اليهود) ملعونون إلى الأبد وهالكون من دون رحمة».
&
بعد نصف قرن بالتمام من صدور قرار المجمع المسكوني الفاتيكاني يتقدم آباء الصهيونية في فلسطين المحتلة بمشروع دولتهم العنصرية، ضاربين عرض الحائط الكوني بكل حضارات العصور التي توالدت منذ العام الميلادي الأول.
&
ويأتي هذا المشروع في حالة الفراغ الإسلامي – المسيحي العالمي من فعل جذوة الشعور بالكارثة التي تعم منطقة الشرق الأوسط، وقلبها العالم العربي.
لكن، هناك في العصر الحديث، وفي تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد، أمثولة فذة تجسدت بشعب دولة جنوب أفريقيا الأسود، وبطله نيلسون مانديلا الذي حرّر بلاده من النظام العنصري (الأبيض) من دون أن يُخرج ذلك الشعب من أرضه، وهو يشكل أقلية ضئيلة جداً بالنسبة إلى أهل البلاد الأفارقة السود. واليوم تُعتبر «جنوب أفريقيا» دولة ديموقراطية متحدة بلونيها الأسود والأبيض.
&
هي الحضارة الإنسانية التي تجمع الأعراق والأديان. فمن أين يمكن أن تصل هذه الحضارة إلى زعماء الصهيونية العنصرية في فلسطين وأولهم حالياً بنيامين نتانياهو؟
&
ثم، من أين للفلسطينيين والعرب زعيم من طراز مانديلا يستقطب الجماهير التائهة بين ديكتاتور جائر وجماعات من دعاة التكفير والقتل والسبي والذبح، وحولهم بعض من كبار دول العالم يتصاغرون أمام القتلة. آخر المبادرات العربية صدرت عن الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية في القاهرة يوم 29 تشرين الثاني وكانت النتيجة «إقرار خطة تحرك عربي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين». وقد أكد الوزراء مجدداً التمسك بمبادرة السلام العربية التي عرضها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأقرتها قمة بيروت عام 2002، ولم يبق إلا أن تقرها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها مجلس الأمن الدولي، فتبدأ رحلة الألف ميل إلى دولة فلسطينية مزدوجة الهوية، واللغة أيضاً.
&
فهل، بعد، ثمة أمل بتكرار أمثولة شعب جنوب أفريقيا وبطله نيلسون مانديلا؟ وهل يسمع زعماء الدول المسيحية في العالم نداء الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية بأن «لا شرق أوسط من دون مسيحيين؟».
&
وهل يتخذون قراراً تاريخياً يعيد فلسطين إلى أهلها من عرب مسلمين ومسيحيين ويهود، فيمحون عاراً ملصقاً على جبين الغرب الديموقراطي؟
&
وهل يحق للمرجعيات العربية التمني على حاضرة الفاتيكان، وعلى الكنيسة الأرثوذكسية العالمية، ممارسة الضغط المعنوي والإيماني على زعماء دول الغرب المسيحي، وعلى القوى النافذة فيه، لاتخاذ موقف يساعد في تحرير مهد السيد المسيح وقبره من الاحتلال الإسرائيلي. وهل يسمع زعماء الدول المسيحية الديموقراطية في العالم نداء الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية بأن لا شرق أوسط من دون مسيحيين فيمحون عاراً عالقاً على جبين الغرب المسيحي الديموقراطي؟