خليل علي حيدر

توقيع الرسَّام أو النحَّات على العمل الفني كما هو معروف، يزيد من قيمته ويوثقه ويسهل عمل الباحثين ويحفظ للفنَّان مكانه وعطاءه الفني. ولكن مثل هذا الإجراء المعروف، كان وربما لا يزال، مشكلة في الحياة الثقافية الفنية بالسعودية، إن كان هذا العمل الفني من إبداع امرأة!

فقبل عامين مثلاً، تحدثت صحيفة الشرق الأوسط عن أن الفنَّانة التشكيلية السعودية laquo;منال الضويانraquo; تقوم بالإعداد لمعرض جديد في مدينة جدّة .. يحمل عنوان laquo;اسميraquo;! وفيه تستكشف كيفية تعامل المجتمع مع اسم المرأة وإحساس المرأة ذاتها بالتعبير عن نفسها عبر ذلك الاسم.

تقول laquo;الضويانraquo; في حديث مع الصحيفة، إنَّ الفكرة بدأت تدور في ذهنها laquo;عبر مناقشة مع عدد من الفتيات من بلدان مختلفة أثناء موسم الحج، وتبلورت الفكرة في مناقشة مع أستاذة جامعية حول اسم المرأة والمحظورات المرتبطة به في المجتمعraquo;.

وتضيف قائلة: laquo;من الملاحظ أن الرجال لا يحبون ذكر أسماء زوجاتهم أو والداتهم أمام الآخرين، والأمر يمتد إلى باقي العائلة. الآن الوضع تطور وأصبحت حتى الفتيات والفنَّانات يخجلن من أسمائهن ويلجأن إلى أسماء مستعارة أو يقمن باختصار الاسم بحيث لا يذكرن اسم العائلة على سبيل المثال. إنها ظاهرة اجتماعية سعودية، وعبر نقاشي مع الكثيرات حاولت الوصول إلى أسبابها، فهي بالتأكيد ليست لها علاقة بالدين، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفخر بزوجاته وبناته ولم يخف أسماءهن. وأيضاً لا يبدو أن المجتمعات البدوية تُعاني من ذلك أيضاً، فنحن جميعاً نعرف المثال الأشهر للملك عبد العزيز رحمه الله الذي كان يفتخر بأنه laquo;أخو نورةraquo;.

وهكذا، فإنَّ laquo;ورش العمل انطلقت من التعريف بالفنّانة وعملها إلى دعوة الحاضرات إلى كتابة أسمائهن كاملة على كرة أمامهن، كل امرأة هُنا كانت تقول بكل ثقة: هذا هو اسمي أعرضه لكل الناسraquo;.

المشروع الذي اقترحته الفنّانة laquo;منال الضوياتraquo;، المعروفة في مجال التصوير الفوتوغرافي والتركيب، نجح في إثارة رغبة بعض الرجال الذين طلبوا أن يقوموا بكتابة أسماء بناتهن على تلك الكرات، التي قالت إنها ستضُمُّ فيما يشبه السبحة الضخمة التي ستعلّق في المعرض، وأضافت: laquo;أرى أن السبحة ترمز للأمل، فالإنسان يستخدمها للدعاء والأمل في الإجابة، وأراها أيضاً تمثل حلقات متصلة تربط بين النساء في مختلف أنحاء السعوديةraquo;.

في فبراير من العام الماضي، شهدت مدينة جدّة مجموعة من الفعاليات الفنيّة تحت مظلّة laquo;أسبوع جدّة الفنيraquo;، شملت معرضاً للفن العربي المعاصر أقامته laquo;دار سوذبيraquo; اللندنية في أوّل معارضها بالمملكة، كما أُقيمت على هامش المعرض معارض أخرى مستقلة عرضت أعمال laquo;مجموعة من الفنانين السعوديين الواعدينraquo;. من المشاركات، تقول laquo;عبير مشخصraquo; في تقرير لها لصحيفة laquo;الشرق الأوسطraquo;، الفنّانة laquo;مها الملوحraquo; التي استبشرت بانتعاش الفن مع تزايد عدد الفنانين السعوديين الشباب.

أما الفنّانة المصورة laquo;منال الضويانraquo;، فقالت: laquo;لا توجد لدينا صناعة فنيّة، لكن لدينا حركة فنيّة نشطة، فإذا اخترت أن تماس الفن فأعد نفسك لفترة من التقشف الماديraquo;. وأضافت: laquo;يوجد لدينا دعم محدود جداً، مع وجود نحو اثنين من laquo;الجاليريهاتraquo; المختصة في المملكة، ولا متاحف ولا أماكن عرض ولا منح فنية ولا مؤسسات أو برامج لإقامة الفنانينraquo;. غير أن الحركة الفنيّة رغم هذا كله، تقول الضويان، أقوى في السعودية من بقية دول الخليج: laquo;في السعودية لدينا واحدة من أكثر الحركات الفنيّة حيوية مقارنة ببقية المنطقة في الخليج، ورغم الدعم المادي في تلك الدول لفنانيها والمتاحف الضخمة التي يجري بناؤها هُناكraquo;. الدعم الرسمي من داخل المملكة، يقول محمد المنيف، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، يظل دون المطلوب، وlaquo;من المؤسف أنّ الفن التشكيلي في المملكة يقع في آخر قائمة الاهتمام الثقافي مقارنة بما يحظى به هذا الفن في دول أخرى قريبة، خصصت فيها للجمعيات والنقابات ميزانياتraquo;.

ومن مشاكل ضعف الحياة التشكيلية في الثقافة الفنية السعودية، كما يرى الفنانون غياب التعليم الفني، أحد أهم الأدوات لنشر الوعي الفني وضمان إقبال الشباب على تنمية مواهبهم، وتقول نعيمة السديري laquo;لقد تقابلنا مع عدد كبير من المواهب الجديدة، وأعتقد أن هُناك حاجة ملحة لدعم هؤلاءraquo;.

وقد عمدت أربع تشكيليات سعوديات قبل عامين، وبعد تخرجهن في الدراسات العليا ونيلهن لدرجة الماجستير في التربية الفنية من جامعة الملك سعود بالرياض، إلى تشكيل جماعة باسم laquo;ديجا فو آرتraquo;، بهدف laquo;تنمية الذائقة الفنية للمجتمع في السعودية، وتعريفه بالفنون البصرية والتشكيلية تحديداًraquo;.

يشتد هجوم المتشددين في المملكة، بعد تصوير الأشخاص والحيوانات وفن البورتريه على فن النحت! فأي منحوت له ملامح إنسانية أو حيوانية تسميه الأوساط الدينية السلفية بالصنم. وإذا كان الفنَّان التشكيلي يعمل في مجال النحت، فهو مستهدف وفي وضع حرج بلا شك.

ويصف البعض فن النحت في السعودية بأنه laquo;فن يتيمraquo; لا أحد يتبَّناه أو يهتم بحاله، على الرغم من أنه يزيِّن الساحات والميادين وصالات الاستقبال، لكن لا أحد يحتضن رواده ومبدعيه. laquo;فرغم الاهتمام الذي تبديه وزارة الثقافة والإعلام بالفنون، فإن النحت يكاد يكون الفن الوحيد الذي لم ينل نصيباً من كعكة الاهتمامraquo;، كما يقول بعض المتابعين!

بعض النحاتين السعوديين، يقول فتح الرحمن يوسف، laquo;وصلوا إلى العالمية، ومن بينهم الراحل عبد الحليم الرضوى الذي ما تزال بعض أعماله النحتية قائمة في بعض ميادين جدّة وينبع وجامعة الملك سعود بالرياض، وكذلك الفنَّان الراحل عبدالله العبد اللطيف، الذي درس النحت على الحجر في الولايات المتحدة، والفنّان محمد السليم، الذي أبدع فنوناً نحتية على البرونز، بالإضافة للفنّان كمال المعلم، الذي وصلت أعماله النحتية للصينraquo;.

وقد نشرت الصحافة قبل أكثر من عام تأكيداً من وزارة الثقافة والإعلام حرصها على إقامة المناسبات الخاصة بالنحت، ومنها ما سيكون في معرض laquo;سمبوزيم الدوادمي للنحتraquo; في فبراير 2012. وقد أكد د. ناصر الحجيلات، وكيل وزارة الثقافة في حديث للشرق الأوسط laquo;أهمية فن النحت في حياة المجتمعraquo;. غير أن الضغوط الدينية laquo;جعل هذا الفن محصوراً في مدينة سعودية واحدة، وهي مدينة جدّةraquo;.

وقد نشرت الصحيفة في فبراير 2013 صفحة ثقافية عن النحاتين السعوديين بعنوان laquo;لا نصنع أصناماً .. النحت السعودي يمشي على استحياءraquo;. وفي مقابلة نشرتها laquo;القبسraquo; الكويتية قبل شهرين، 09 -06 -2013، تحدث النحّات السعودي laquo;علي الطخيسraquo; للصحيفة في مقابلة معه قال: laquo;لكي يأخذ فن النحت مكانه الصحيح وسط منظومة الفنون، يجب أن يُعترف به أولاً من المجتمع ومن الجهات المختصة كفن يمكن أن يقدم الكثير للتاريخ الثقافي للملكة ولشعبهاraquo;. وسألته الصحيفة: النظر إلى النحت باعتباره laquo;تخليقاًraquo;، ألم يتسبب لكم في مشكلات مع التيّار الديني؟، فأجاب: laquo;نحن في مجالنا النحتي ابتعدنا عن المواضيع التي تدور حولها الشبهات، فسلكنا مساراً يعطي قبولاً لدى التيّار الديني، فبدأنا في التعامل مع النحت التجريدي، ونعتقد أنه مع مرور الوقت سيكون النحت مألوفاً لدى الجميعraquo;.

ورغم هذا، يقول الفنّان، كان لهذه المناوئة من التيّار الديني laquo;أثر مباشر في عدم وصول فن النحت إلى المكانة التي يستحقها في المجتمعraquo;.. وطالب النحات بفتوى رسمية تبيح فن النحت!

وكان النحات السعودي في مقابلة أخرى، قد عزا ضعف الاهتمام بفن النحت في السعودية إلى قلة النحاتين المحترفين، وحداثة الاهتمام بهذا الفن في المجتمعraquo;. أما زميله النحات laquo;عصام جميلraquo;، فقد علل في نفس الصحيفة ضعف الاهتمام هذا لـ laquo;عدم استيعاب مفهوم النحتraquo;، وأضاف: laquo;نقص الاحترافية في تقديم هذا الفن من الناحية النظرية والعملية وقلّة المشاركات الخارجية وعدم وجود مهرجانات محلية تعنى بالنحت .. كلها أضعفت الاهتمام به في السعوديةraquo;.

وبعكس هؤلاء، يرى سلطان البازعي، رئيس الجمعية السعودية للثقافة والفنون أن laquo;هُناك قبولاً متزايداً بفن النحت، فالمدن السعودية أخذت تسارع لتزيين ميادينها وشوارعها بالمنحوتاتraquo;. ورحب المسؤول الثقافي بفكرة تأسيس جمعية لمختلف المجالات الفنية، ولكن laquo;ليس من صلاحية الجمعية تأسيس جمعية خاصة بفن النحت، فوزارة الثقافة والإعلام هي المخوَّل الوحيد لتأسيس جمعية لفناني النحتraquo;.