حوار: أمل سرور 
يعتبر أحد أهم رموز الموسيقى في العالم العربي، امتلك مشروعاً موسيقياً كبيراً، وهو المزاوجة بين الأغنية الحديثة بإيقاعها السريع والموروث الشعبي التونسي الكلاسيكي، جمع تراث الغناء الصوفي والابتهالات الدينية ونجح بجدارة في المحافظة على التراث الموسيقي العريق ليزاوجه بالحداثة، كان عنقوداً من عناقيد الضياء التي تلألأت في سماء الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية ليصبح واحداً من أعمدة تلك الملحمة الأسطورية الباهرة التي روت سيرة نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام . المطرب وعازف العود التونسي العملاق لطفي بوشناق، حاورناه قبل مغادرته الشارقة بعد ختام عرض العمل المسرحي quot;عناقيد الضياءquot; .
أعترف بتلك الحالة التي انتابتني من القلق وربما الرهبة، فالحوار مع شخصية مثل quot;بوشناقquot; لن يكون سهلاً على الإطلاق، فهو فنان من العيار الثقيل خاصة أنه مزج بين اللون العاطفي والسياسي وبين الموسيقى الأصيلة والاجتهادات المجددة، ولا تخلو حفلاته من المواويل العراقية والأغاني الخليجية والمصرية، والقدود الحلبية، لذا ينطبق عليه لقب الفنان الشامل، اكتسب شهرة عربية واسعة لا مثيل لها .
هكذا وجدتني أُحدث نفسي هامسة طوال الطريق إليه، لحظات ونلتق وجهاً لوجه، وها هو يرحب بي بابتسامته المعهودة وبكل كلمات الود والتقدير استطاع عملاق الغناء أن يُبدل حالتي تماماً من القلق إلى الهدوء، إحساس تسرب لي أنني أعرفه منذ زمن، بل وربما التقينا من قبل .
* نبدأ من quot;الشارقةquot;، وتحديداً من العمل الأسطوري quot;عناقيد الضياءquot; .
- الشارقة التي استحقت بجدارة لقب عاصمة الثقافة الإسلامية، دائماً تفاجئني بحرصها وإصرارها على تقديم الأعمال الفنية الملتزمة في شكلها، عميقة التأثير في مضمونها، وبرغبتها المتناهية والمتواصلة في تحمل مسؤولية إبراز حقيقة الإسلام السمحة، والتعريف بالحضارة الإسلامية التي تسطع بشمسها المستنيرة على كل دول العالم، لذا فخور للغاية بمشاركتي فيه، واعتبره بلا مبالغة إضافة نوعية مهمة لرصيدي الفني، وهكذا تكون المشاركة والإسهام في الأعمال الكبرى والضخمة التي تعتبر محطة نوعية يسعى للوصول إليها واللحاق بها الكثيرون من الفنانين، لذا أعتبر نفسي محظوظاً لأنني وصلت إلى تلك المكانة كأحد المشاركين في العمل الأسطوري .
* ألا ترى أن هناك مغزى واضحاً من اختيار توقيت عرض مثل هذا العمل التاريخي المسرحي الضخم .
- قاطعني قائلاً: أتفق معكِ تماماً والحقيقة أن هذا العمل في شكله ومضمونه ماهو إلا رسالة سلام إنسانية إلى العالم الذي أنهكته الحروب والصراعات، فنحن بكل صراحة نمر في عالمنا العربي بشكل خاص بالعديد من الظروف الساخنة، والمنهكة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً ونتكاتف من أجل التصدي لها، ومن خلال quot;عناقيد الضياءquot; نقدم العديد من الرسائل الثقافية، والإبداعية والاجتماعية لتوضيح الصورة وتبليغ الرسالة الإنسانية ليس للدول العربية والإسلامية فقط، بل للعالم أجمع، ولا أبالغ عندما أقول إن هذا العمل صفعة قوية على كل الوجوه الزائفة التي تُخلط الأوراق وتمزج بين الإرهاب والإسلام، نحن نعيد التذكير بالقيم النبيلة والأخلاق السامية التي تفتقدها المجتمعات اليوم،من خلال عمل فني لاقى نجاحاً باهراً من الجمهور الذي شعر بأنه لا يشاهد عرضاً مسرحياً تقليدياً، بل شعر كل من مشاهديه وكأنه سافر بعيداً، وعاد إلى الوراء في رحلة تسبر أغوار التاريخ، من خلال استعراض السيرة النبوية الشريفة، بأسلوب فني باهر، وهنا يجب أن نعطي كل ذي حق حقه، فلا يمكن أن نتكلم عن تلك الملحمة الأسطورية، ولا أن نتحدث عن الشارقة التي أصبحت عاصمة الثقافة الإسلامية من دون ذكر الجهود التي بذلها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في خدمة المسرح والثقافة بكافة أنواعها، وهو ما لم أجده عند كثير من الحكام العرب، ما أود قوله في النهاية أن تقدم دول العالم وتطورها ما هو إلا نتاج لتمسكها بقيمها الثقافية، وحرصها على حماية الموروث الثقافي، والحقيقة أنني سعدت لأن quot;عناقيد الضياءquot; لاقى صدى كبيراً في العالم العربي، وهو ما لمسته من الحضور الكبير والردود الإيجابية من الناس الذين أعربوا عن سعادتهم برؤية عمل فني مسرحي إسلامي يخدم سيرة الإسلام ويحرص على نقل صورته الحقيقية للعالم، وهذا أكبر دليل على أهمية تبني مشاريع فنية تخدم العالم وتنقل صورة الإنسان العربي صاحب الأخلاق السمحة والفكر النير .
* هناك من يروجون أن الفن العربي في أزمة .
- عبارة صحيحة تماماً، نعم يعيش أزمة حقيقية تلك الأيام، رغم أن وطننا العربي يَعُج بالمثقفين والمبدعين في كافة المجالات ولكن ما نشاهده على القنوات الفضائية التي بلغ عددها المئات والتي ينفق عليها المليارات من الدولارات يدرك تماماً أننا أصبحنا نعيش في زمن الأزمة، بالله عليكِ هل ما تشاهدينه أنتِ على تلك الشاشات يعبر عن ماضيكِ وحاضرك ومستقبلك؟ هذا السؤال يجب أن يقدم للإعلاميين، نحن دائماً نقول إن الأصل في كل حياتنا هو الثقافة التي هي شرارة الثورات وملهمة التقدم والمحافظة على التاريخ، والثقافة والعلم ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، نحن العرب لدينا من القوة البشرية المبدعة ما يُغرق دول العالم جميعها، quot;عناقيد الضياءquot; الذي شارك فيه أكثر من 750 فناناً يحوي من القيم والرسائل والمبادئ ما يساوي أكثر من 3000 خطاب سياسي يفشل في الوصول للناس، ذلك هو الإبداع بعينه .
* الفنان يبقى في الذاكرة عكس السياسي الذي يزول بزوال تواجده، تلك العبارة قلتها في مهرجان قرطاج الماضي، فهل لي أن أقترب من معناها؟
- صمت لبرهة وكأنه يتذكر مشهداً ما، ثم أجاب الفنان لا يقل دوره عن السياسي، بل أعتبره أهم، لأن أعماله وإبداعاته تعيش في قلوب وذاكرة الناس، فمَن منا نسى الموسيقي الأمريكي quot;راي تشارلزquot;، quot;وبيتهوفنquot;، quot;وسيد درويشquot;، كان هؤلاء بمثابة الحكام في عصورهم، لذا فإنني أرى الفنان من منظور مختلف، شاهداً على عصره من خلال ما يقدمه ويوثقه من أعمال إبداعية متميزة .
* مشهد يلاحق لطفي بوشناق ولا يفارقه أينما كان؟
- يوم منحني الرئيس quot;أبو مازنquot; الجنسية الفلسطينية، لن أنساه طوال حياتي وهو فخر لي، فالقضية الفلسطينية ستظل في قلوب كل العرب، وهذه الأرض لها علينا حق، وكل ذرة في ترابها عربية وستظل رغم أنوف الكارهين والحاقدين ..
