عبد العزيز التويجري
التصريحات الأخيرة لبعض كبار المسؤولين الإيرانيين حول أهداف إيران في المنطقة، تؤكد من جديد طائفية هذا النظام وخطورته على العالم الإسلامي. وتثبت تلك التصريحات المستفزة الكاشفة عن الخبايا، أننا لم نكن نبالغ، في مقالات سابقة في هذه الجريدة، في التحذير من سياسات إيران وامتداداتها وتدخلها في شؤون الدول المجاورة لها والبعيدة عنها، ومن أنها نظام طائفي متعصب كاره لتاريخ الأمة الإسلامية، ومشارك في التآمر على حاضرها ومستقبلها.
فقد صرح اللواء حسن فيروزأبادي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، أن دعم إيران للنظام في سورية هو لمحاربة أعداء إيران البعيدين. ولا ندري من هم هؤلاء الأعداء، فالعبارة عامة وتحتمل كل التأويلات.
كما صرح أية الله محمود نبويان عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، أن إيران دربت 150 ألف مقاتل سوري وأرسلت 50 ألف مقاتل من حزب الله اللبناني للقتال بجانب النظام السوري وزودت الحزب بأكثر من 80 ألف صاروخ. هذا بالطبع إلى جانب الميليشيات العراقية وغيرها من القوى المقاتلة مع النظام السوري، التي لم يصرح بها نبويان.
أما اللواء إسماعيل قاءاني، نائب القائد العام لفيلق القدس، فقد صرّح بأن الانتصار المتوقع في سورية، هو تمهيد للفتح المبين الذي ينتظر إيران، ولا يمكن لإيران التوقف عند سورية فهدفها يتمثل دائماً في قيادة العالم الإسلامي. فأي فتح هذا، هل هو فتح القدس؟ أم فتح المنطقة أمام طائفية النظام الإيراني وحلفائه؟
ويأتي تصريح آية الله محمد تقي يزدي كاشفاً لما أخفاه غيره من القياديين الإيرانيين، حيث قال إنه يجب على إيران السيطرة على سورية لكي تتخلص من الضرر الذي أصاب الإسلام من قبل الأمويين. وهذا كلام بالغ الخطورة يعني بلا أدنى شك، وبالوضوح الكامل، جعل سورية كلها شيعية، لأن المذاهب السنية في نظره ونظر قادة إيران ومتعصبي الشيعة، ضررٌ يجب إزالته وكفرٌ ينبغي محاربته.
إن هذه التصريحات المتغطرسة والمشحونة بالحقد والتطرف هي غيض من فيض، وقمة جبل الجليد الإيراني الذي يخدع من يراه بينما هو الخطر الماحق الذي يهدد العالم الإسلامي وينذر بأوخم العواقب. ولذلك فإن من الضروري أن تدعو منظمة التعاون الإسلامي إلى اجتماع عاجل على مستوى المسؤولين السياسيين وعلى مستوى العلماء أيضاً، لبحث هذا الموضوع الخطير، واتخاذ الموقف الحازم تجاهه. فقد تجاوزت إيران كل حدود التعامل الأخلاقي الذي يحث عليه الإسلام بين المسلمين، واندفعت في مسار تخريبي عدواني مغلبة تعصبَها الطائفيَّ والعرقي لتحقيق الهيمنة على العالم الإسلامي، وهذا يفسر إنفاقها الأموال الطائلة على نشر مذهبها في المجتمعات السنية لإيجاد خلايا تابعة لها توظفها في تحقيق هذا الهدف، وتحريضها فئات من المواطنين الشيعة في دول الجوار، لإثارة الفوضى والقيام بأعمال تخريبية تخل بالأمن وتضر بمصالح الوطن.
هذه هي حقيقة النظام الإيراني الطائفي، تعصّب ذميم وحقد مقيم، وكراهية مقيتة لتاريخ الأمة الإسلامية ولمذاهبها، وتآمر مكشوف على حاضرها ومستقبلها. فهل يعي مَن بيدهم الحل والعقد في العالم الإسلامي حجم هذا الخطر وكارثية نتائجه؟، أم نحن نؤذن في مالطا. وهل يتحرك المسؤولون في المنطقة على وجه الخصوص، للرّد المطلوب على هذه التصريحات التي تكشف عن المخطط الإرهابي الذي تنفذه إيران؟ هل تتحرك منظمة التعاون الإسلامي في هذا الاتجاه، ويصدر عنها بيان يوضح الموقف الرسمي للدول الأعضاء فيها، وعددها سبع وخمسون دولة، إزاء هذا التآمر الخطير الذي خرج من الخفاء والسرية إلى الظهور والعلن؟
لقد كان الشيخ محمد علي التسخيري، رئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران سابقاً، صريحاً للغاية حينما قال إن النظام الإيراني مسؤول عن نشر التطرف الشيعي وعن تفشي التطرف بين الشيعة في العالم الإسلامي، في تصريحات صحافية قال فيها: laquo;نحن مقصرون أيضاً، لأننا لم نتمكن من خلق أجواء للتقارب والتعارف والتعامل في العالم الإسلامي ونحول دون التطرف المتفشي بين الشيعة. ثمة متطرفون بين ظهرانينا يقومون بتحريض الآخر عبر سب وشتم مقدساته، وبهذا يمهدون الأرضية لظهور الظاهرة التكفيريةraquo;. وما قاله الشيخ التسخيري الذي يحمل لقب laquo;آية اللهraquo; وهي رتبة عالية في الحوزة الشيعية، يؤكد ما قلناه في مقالاتنا في هذه الجريدة، وهو أن التكفيريين هم من الشيعة أيضاً وليسوا فقط المتطرفين من أهل السنة. مع الأخذ في الاعتبار أن الشيخ التسخيري أظهر نصف الحقيقة ولم يكشف عنها كاملة. وعلى كل حال، فإن كلامه هذا إذا جمعنا بينه وبين التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين المذكورين في هذا المقال، فسوف تظهر أمامنا الحقيقة كاملة.
لقد دخل النظام الإيراني خلال هذه المرحلة، طوراً جديداً من المواجهة مع مَن يعدّهم أعداءً له، وهم أكثر من تسعين في المئة من المسلمين في العالم، بعد أن تجاوز الطور السابق الذي كان يضطر فيه إلى استخدام التقية وسيلة لبلوغ أهدافه، ويسلك الطرق الملتوية لإخفاء حقيقته، بحيث باتت اليوم اللعبة مكشوفة، وظهر النظام الطائفي في إيران على حقيقته. وتبيّن بصورة واضحة تماماً، أن الخطر الآتي من طهران ليس على دول المنطقة فحسب، بل على الإسلام والمسلمين عموماً، هو خطر حقيقي، داهم، ومدمر، ومكشوف للعيان، وأن السياسة الإيرانية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة أولاً، ثم في العالم الإسلامي كله، حتى تتربع على كرسي قيادة الأمة الإسلامية. أليس مرشد الثورة في إيران السيد علي خامنئي يصف نفسه بقائد المسلمين؟ أليس النظام الإيراني يزعم أنه يمثل الإسلام ويدعي زعامة العالم الإسلامي؟ ثم أليس التكفيريون الشيعة الغلاة المتعصبون يدعون أنهم هم المسلمون وغيرهم على ضلال؟
نحن اليوم إزاء تطور خطير تقتضي مواجهته بأقصى حد من الجدية والحزم والحسم والشعور بالمسؤولية إزاء حاضر الأمة ومستقبلها. فإذا لم تحرك هذه التصريحات الخطيرة لهؤلاء المسؤولين الإيرانيين مَن بيدهم الأمور في بلداننا ليتخذوا القرار المناسب للتعامل مع النظام الإيراني، فمتى يتحركون؟ أم أن الأمور ستظل كما هي، والنظام الإيراني ماضٍ في طريقه إلى آخر المطاف، ونحن نعرف حدود آخر هذا المطاف؟

