خليل حسين


في المبدأ تبقى الانتخابات، برلمانية كانت أم رئاسية، مظهراً من مظاهر تداول السلطة في الأنظمة السياسية على الصعيد النظري . لكن أي انتخابات في مطلق نظام سياسي تتطلب الكثير من المعطيات والوسائل والآليات لتصل إلى غاياتها المرجوة، فماذا يجري في دولنا العربية؟ وهل هي وسيلة للخروج من مأزق الديمقراطية الذي وقعنا فيه، وهل تعبر عن حالة التحوّل التي تجتاح مجتمعاتنا وأنظمتنا منذ سنوات؟


ولكي نكون منصفين ومتصالحين مع أنفسنا، ربما تبدو المقاربة صحيحة من زاوية إجراء الانتخابات بصرف النظر عن وقائعها ونتائجها التي تبدو للكثيرين ملتبسة، وربما لا تعبر عن تطلعات شرائح اجتماعية وسياسية واسعة في مجتمعاتنا العربية . وهذه حال معظم حالات الانتخابات التي جرت مؤخراً في بعض البلدان العربية،وربما سينطبق الأمر عينه على واقع الانتخابات المقبلة في بعضها الآخر .


ففي أصل المشكلة تبدو إلى حد كبير مرتبطة بشكل أو بآخر في فهمنا للتغيير والوسائل والآليات التي نتبعها لذلك، ثمة إجماع على ضرورات التغيير، لكن هل وضعنا تصوراً ولو مبدئياً لذلك عبر أحزابنا وهيئات مجتمعاتنا المدنية؟ وهل ما قمنا به من حراك أدى إلى تغيير مماثل لحجم التقديمات التي دفعت؟ وهل بتنا اليوم في واقع أفضل مما كنا فيه تمثيلاً وانتخاباً ومشاركة وتداولاً للسلطة؟ تبدو الإجابة سلبية في أغلب الصور النمطية التي رأيناها في أي بلد عربي . وهي مأساة كبيرة بحجم الآمال الكبيرة التي علقت عليها، كما بحجم الأثمان التي استنزفتنا اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً من دون فائدة تذكر .
انتخابات تمثيلية أفضت إلى وصول حكومات سرعان ما انهارت أمام تحديات ضخمة واجهتها، كالنموذجين التونسي والليبي مثلاً . انتخابات نيابية اجلت في بعضها الآخر، نتيجة ظروف خاصة مثل لبنان، وبعضها الآخر أجري على عجل كالعراق ومصر وسوريا وغيرها . والمشترك بينها جميعاً الحاجة الاجتماعية والسياسية إلى التغيير، لكنها جميعها أيضاً كانت شكلاً من أشكال كبح جماح المطالبة بالتغيير وتداول السلطة، رغم أنها لم تبدّل في صورة المشهد السياسي العام في مجتمعاتها ودولها . وظلت كغيرها من الصور النرجسية التي اعتادت مجتمعاتنا العربية على بلعها وهضمها ولو عنوة .


وفي موازاة ذلك، أجريت انتخابات رئاسية أسقط بعضها نتيجة تسلّق بعض جماعاتها السياسية السلطة على أكتاف أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير، كما حدث في مصر بعد عزل الرئيس حسني مبارك، فمارس الإخوان سياساتهم الخاصة في مفاصل الدولة الرئاسية وغيرها مثل من سبقوهم، وربما افظع، فهل ستبدّل الانتخابات الرئاسية المقبلة هذه الصورة؟ انتخابات رئاسية أخرى كرّست الأمر الواقع مثل الجزائر والولاية الرابعة لرئيسها . والأمر ربما سيتكرر في الآليات والوقائع والنتائج نفسها في الحالة السورية، فيما العراق الذي ينتظر ائتلافاً حكومياً لن تكون رئاستها بمعزل عن التحديات التي واجهتها سابقاً، وهي بطبيعة الأمر من العيار الثقيل .
وفي لبنان الأمر يبدو أكثر تعقيداً، في ظل دخوله أجواء أزمة فراغ قاتلة للسلطة ومفاصلها . إذ من الواضح أن لا انتخابات رئاسية ضمن المهلة الدستورية، وبالتالي يبدو أن الأمر بات مؤجلاً إلى حين إيجاد تسويات إقليمية واضحة، تتضمن سلّة ملفات من بينها لبنان وسوريا والعراق ربطاً بتبريد الأجواء السياسية بين دول الإقليم الفاعلة .


فالشهران الحالي واللاحق سيكونان اختباراً مفصلياً لاتفاق الإطار الإيراني مع الدول الست بخصوص البرنامج النووي، وهو بطبيعة الأمر سيكون مفتاحاً لإعادة تبريد الأجواء أو تسخينها في المنطقة بحسب نتائجه، وبالتالي فإن أغلب المعطيات والمؤشرات تشير إلى أن ثمة ربطاً مباشراً في هذا الاستحقاق الإقليمي ومجموعات الاستحقاقات الرئاسية في المنطقة . فهل ستكون عمليات الانتخابات الرئاسية في بلد عربي ما، مرتبطة إلى حد كبير بدور وموقع النظام في سلة التفاهمات المقترحة في المنطقة؟ يبدو أن هذه الفرضية هي الأقرب احتمالية وصوابية .