التحديات التي تواجه ملك إسبانيا الجديد، وأجواء حرب رابعة في العراق، ومزاج غربي غير متحمس لأي صراع جديد، موضوعات نستعرضها من خلال قراءة سريعة في الصحافة الفرنسية

&


تتويج «فليبي السادس»

نشرت صحيفة «لوموند» مقالاً ناقشت فيه التحديات التي تواجه الملك الإسباني الجديد فيليبي السادس الذي تم تتويجه خلفاً للملك خوان كارلوس يوم الخميس الماضي، وتساءلت في البداية: أية إسبانيا هي هذه التي يرثها العاهل الجديد؟ مبرزة أن ثمة عدداً لا نهاية له من التحديات التي تواجه البلاد الآن، وهو ما جعل الملك الجديد يعلن في خطاب تنصيبه أنه سيعمل بكل الوسائل الممكنة لتجديد الملَكية وجعلها قادرة على مواكبة المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، والتكيف مع تحولات الأزمنة. ولكن أية أزمنة؟ فالمملكة عالقة الآن في مستنقع أزمة ثلاثية الأبعاد، مؤسسية، واقتصادية، وأزمة وحدة ترابية، هذا طبعاً دون إغفال تحديات أخرى كثيرة يمكن أن تدرج تحت أكثر من اسم، تطرح نفسها اليوم على إسبانيا فيليبي السادس.

ولعل أول ما سيتعين على الملك الجديد الالتفات إليه هو ضمان وتأمين مستقبل النظام الملكي كحاضنة للروح الوطنية، خاصة أن الدستور الإسباني يجعله رمزاً لكل الإسبان، وإن كانت شعبية المؤسسة الملكية قد تضررت أيضاً كثيراً خلال الأشهر الأخيرة من عهد خوان كارلوس، على خلفية فضائح واتهامات بالفساد. ولذا سيكون على فيليبي تجاوز الصور السلبية كافة التي تولدت خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ النظام السياسي الملكي، والعمل في الوقت نفسه من أجل استعادة ألق وجاذبية هذا النظام في صفوف الرأي العام الإسباني. وقد تعهد في خطاب تنصيبه باستعادة صورة «تاج صادق [مع نفسه وشعبه]، ومستقيم وشفاف». وهو بهذا يروم تطويق شعبوية بعض الدعايات الجمهورية التي يريد أصحابها تغيير طبيعة النظام من الأساس، مؤكداً أنه سيكون مثلما كان والده طيلة سنوات الانتقال الديمقراطي في البلاد هو «الضامن لاستقرار النظام السياسي»، ومن ورائه ترسيخ دعائم وأعمدة الديمقراطية الإسبانية التي حققت الكثير خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتذهب الصحيفة إلى أن الإسبان قد فقدوا ثقتهم في النظام السياسي الذي ترسخ خلال الفترة الانتقالية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية بعد وفاة الديكتاتور فرانكو. ذلك أن الأحزاب التي واكبت تحول إسبانيا الديمقراطي تشهد في معظمها الآن أزمة خطاب وشعبية. بل إن تفشي الفساد في النظام السياسي أصبح اليوم هو ثاني همٍّ يشغل أذهان الإسبان، طبعاً بعد هم البطالة المستشرية. ويعاني واحد من كل أربعة إسبان في سن العمل من البطالة.

أما التحدي الكبير الثاني الذي ينتظر إيجاد حلول جادة له، فهو كيفية الخروج من أتون الأزمة العميقة التي تضرب اقتصاد المملكة منذ سنة 2008. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تحسناً محسوساً في مؤشرات الأداء الاقتصادي، وخرجت البلاد بشكل خجول من واقع الركود في الفصل الثالث من سنة 2013 ووضعت قدمها على بداية طريق استعادة النمو، وإنْ كان ذلك بمعدل بسيط لا يتجاوز +4% خلال الفصل الأول من العام الجاري. كما سجلت الصادرات أيضاً نمواً ملحوظاً، وتحسن حال الإنتاج الصناعي، وبدأت معدلات البطالة تتراجع قليلاً.

وإلى جانب الأزمتين المؤسسية السياسية، والاقتصادية، تأتي أيضاً أزمة الوحدة الترابية، حيث تزداد النزعات الانعزالية- الانفصالية- «الاستقلالية»، في مناطق مختلفة من المملكة الإسبانية، ففي كاتالونيا وفي منطقة برشلونة، ينخرط مئات الآلاف من أنصار الانفصال في حملة تسيّر التظاهرات من أجل هذا المطلب. وما زالت الحركة القومية الكاتالونية تتحدى مدريد بإعلانها منذ نوفمبر الماضي نية تنظيم استفتاء استشاري في 9 نوفمبر المقبل حول إمكانية الاستقلال، على رغم منع مدريد لذلك. ويبدو أن بلاد الباسك تريد هي أيضاً السير على الطريق نفسه. وفي مواجهة كل هذه التحديات، تبقى سلطات الملك فليبي السادس محدودة للغاية، حيث يعطيه الدستور سلطات رمزية وإنْ كان في النهاية يمثل أيضاً رمزاً للوحدة الوطنية. ومثلما أن والده الملك السابق خوان كارلوس قد نجح في قيادة سفينة البلاد خلال فترة بالغة الحرج شهدت انتقالها السياسي وتحولها السياسي في مرحلة ما بعد ديكتاتورية فرانكو، يأمل الإسبان اليوم أيضاً أن يتمكن الملك فليبي السادس من لعب دور مماثل في الإبقاء على النظام الملكي الجامع، وحفظ توازن المؤسسات السياسية، والعمل كذلك من أجل استمرار الوحدة الوطنية في «إسبانيا المتعددة» في مكوناتها السكانية والثقافية، كما قال الملك نفسه.

وفي مقال آخر للكاتب بيير روسلين في صحيفة «لوفيغارو»، قال إن يوم تتويج فيليبي السادس يمثل في الواقع مولد إسبانيا جديدة، وذلك لأن مرحلة مهمة من تاريخ هذا البلد قد انطوت الآن، وهي مرحلة تحول ديمقراطي مثالي، قاده الملك الذي تنازل للتو. واليوم تنفتح مرحلة أخرى جديدة مليئة هي أيضاً بالتحديات والانتظارات من قبل الإسبان الذين يعولون على الملك الجديد لكي يلعب دوراً مؤثراً في الاستجابة بطريقة فعالة للتحديات كافة الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد الآن. ووصف الكاتب الملك المتنازل بالشجاعة، متوقعاً أن يسير ابنه على الطريق نفسها، وبالقدر ذاته أيضاً من الشجاعة والحكمة وبعد النظر.

حرب العراق الرابعة

تساءلت صحيفة «لوموند» عما إنْ كان ما زال في الإمكان الحيلولة دون نشوب حرب رابعة في العراق، مؤكدة أن تقدم الجماعات المسلحة في شمال بلاد الرافدين أدخلها عملياً في حرب جديدة هي الرابعة خلال ثلاثين سنة: حيث كانت الحرب الأولى بين العراق وإيران من 1980 إلى 1988، والثانية ضد التحالف الدولي التي انتهت بتحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي سنة 1991، والثالثة ضد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سنة 2003 والآن ها هي الحرب السنية- الشيعية تطرق الأبواب أيضاً. وهذه العودة من جديد لتصدر العراق مسرح الأحداث تزيد الاحتقان الإقليمي وترفع سقف الاستقطاب بين بعض الدول القريبة المؤثرة. كما يمثل ارتماء بلاد الرافدين الآن في حالة الفوضى والاحتراب الداخلي دليلاً قاطعاً على ارتباك وعدم فاعلية النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة في سنة 1991 ودليلاً ساطعاً كذلك على مدى مسؤولية الدول الغربية وخطأ حساباتها في تدخلاتها العسكرية، حين لا تضع في الحسبان تحديات المرحلة التالية. والعراق اليوم يقف مثالاً على إخفاق تلك التدخلات بشكل يتحدث عن نفسه ببلاغة ووضوح.

وفي سياق متصل، نشرت الصحيفة أيضاً مقالاً آخر بعنوان «حرب داعش ضد إيران لا تعني فرنسا ولا الغرب» للكاتب «رومين كاييه»، وهو خبير في الجماعات الإسلامية، تحدث في بدايته عن دلالة هدم تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف باسم «داعش»، بالجرافات للسواتر الترابية المقامة على الحدود بين سوريا والعراق، مؤكداً أن في هذا الحدث كثيراً من المعاني المعبرة عن طريقة تفكير هذه الجماعة المتطرفة الإرهابية. ومضى الكاتب مستعرضاً بعض ما تضعه الجماعة من أهداف في صراعها الجديد الذي يأتي ضمنه مواجهة «التمدد الصفوي» في المنطقة، ويسوق الكاتب في مقاله كثيراً من التفاصيل والأسماء، مبرزاً تداعيات كل ذلك على مستقبل الصراع في العراق وسوريا والمنطقة بصفة عامة.

وداعاً للشرق الأوسط

نشرت صحيفة «ليبراسيون» مقالاً بعنوان: «وداعاً للشرق الأوسط وحروبه»، عكس كاتبه «لوك لوفيان» المزاج العام السائد في كثير من الدول الغربية الآن، حيث تسود روح عامة من عدم الرغبة في الانخراط في أي صراع آخر جديد في الشرق الأوسط، حيث قال الكاتب في بداية مقاله، إنه لم يعد راغباً في اتباع سياسة النعامة مرة أخرى. ولا يستطيع إرسال رأسه لدفنه في الرمال، تفادياً لسماع الحديث عن الشرق الأوسط وحروبه وصراعاته المذهبية والدينية التي لا تنتهي ولا تنقطع، ولا تعد ولا تحصى. وقال الكاتب: «لم أعد مهتماً أبداً بمعرفة من هو الشيعي ومن هو السني، ولا أين تقع بغداد أو دمشق.. ومَن الضحية والجلاد.. فعندما لا يبقى أمامنا سوى الاختيار بين بشار الأسد وصدام، بين حماس وداعش، لا يبقى خيار إلا الانسحاب». ويقارن الكاتب بين الخيارات الصعبة الكثيرة التي واجهها الغرب في المنطقة حيناً دفاعاً عن مصالحه، وحيناً آخر تحت لافتات وشعارات مغايرة، مبرزاً أن حجم الورطة في الشرق الأوسط أوسع وأعمق بكثير مما قد يساق الآن على وجه الاستسهال والارتجال في المواقف والسياسات الغربية، غير المبنية على فهم أو حتى تقدير دقيق للأمور الجارية على الأرض.

إعداد: حسن ولد المختار

&