حسن بن سالم
طائفية نوري المالكي وإقصاؤه وتهميشه لمخالفيه ومعارضيه هو نهج انتهجه المالكي طوال سنوات رئاسته للحكومة، فهو حينما سأله صحافي أجنبي بأن يصف نفسه، كما جاء في افتتاحية صحيفة «الغاردين» البريطانية في 14-12-2011 قال: «إنني أولاً شيعي، وثانياً عراقي، وثالثاً عربي، ورابعاً عضو في حزب الدعوة». حينها استغربت الصحيفة من قوله إنه شيعي أولاً، فعلقتْ بأنه كيف يمكن لشخص أن يحكم بلداً أو شعباً بهذه العقلية اللاوطنية الطائفية؟ وكذلك كونداليزا رايس أشارت في مذكراتها إلى أنها نبهت نوري المالكي إلى امتعاض العرب السنّة منه، لأنه يستبعد أولادهم من الجيش والأجهزة الأمنية، فأجابها بكل وقاحة: «أنا لا أطيق العرب السنّة ولا أثق بهم». وعلى أساس هذه النظرة الطائفية المقيتة كانت إدارة المالكي لملف العرب السنّة، حتى تحولت على يده مؤسسات الدولة العراقية كافة إلى مؤسسات طائفية: جيش طائفى.. شرطة طائفية.. حكم محلى طائفى.. اقتصاد طائفى.. ميليشيات وفرق موت طائفية سرية وعلنية تمارس أعمال القتل والاعتقال والتهجير والإبادة والقمع لكل التجمعات والاحتجاجات السلمية التي كانت تقودها القوى والعشائر السنية الرافضة لسياسات التمييز والاضطهاد الطائفي على مدى عام مضى، بحجة ودعوى ساقطة هي مكافحة الإرهاب، حتى تفجر الوضع في العراق، بسبب تلك السياسات الطائفية وحملات الاعتقالات والتعذيب الممنهج في السجون والقتل بالمذهب والممارسات الإقصائية التي مارسها المالكي بكل حماقة، ونجم عن ذلك حراك وانتفاضة ضد الظلم والفساد والإقصاء والتهميش أعواماً عدة، تقوده في معظمها مكونات سنية مختلفة ومتباينة في مرجعياتها وخلفياتها الفكرية والسياسية، فهناك العشائر، وهناك مجامع وقوى عسكرية مسلحة، كالجيش الإسلامي في العراق، وهناك ضباط وقادة بعثيون من الجيش النظام السابق، وهناك تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش، فهو لم يكن مجرد حراك تقوده «داعش»، كما تريد حكومة المالكي، إبرازه بأن ما يحصل من سقوط عدد من المحافظات والمدن وخروجها عن سيطرة حكومة المالكي إنما هو بتدبير فقط من تنظيم داعش، ولا يمكن في الوقت نفسه نفي دور التنظيم العسكري في هيمنته وسيطرته على مدن عراقية، ولكننا نخطئ خطأً كبيراً بدافع الحماسة أو العاطفة في حق هذه الانتفاضة والحراك الذي يسعى إلى إقامة عراق وطني ويسعى للتخلص من أجندة وسياسات المالكي البغيضة، بمحاولة غض الطرف أو السكوت عن تنظيم «داعش» الإرهابي والتقليل من خطورة مشروعه الذي أصبح واقعاً خطراً يهدد المنطقة، بداعي عدم استغلال ذلك من القوى الطائفية التي تسعى إلى اجتثاث هذا الحراك، إذ لا تعارض بين دعم أو تأييد حراك ومطالب القيادات الوطنية والعشائرية، وفي الوقت نفسه الرفض المطلق والمحاربة لذلك التنظيم الإرهابي الذي تجاهله الأسد والمالكي، إلى حد كبير، وبصورة متعمدة ليكون ذريعة، على أن ما يحدث في سورية والعراق يقع في إطار «الإرهاب»، وهو ما استثمره البغدادي في بناء شبكاته وتقوية دولته.
&
وحتى لا نكون عراقيين أكثر من العراقيين أنفسهم تجاه ما يجري على الساحة العراقية أكدت قيادات سنية «سياسية ودينية» موقفها من ذلك، فطارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي المستقيل المدان والمحكوم عليه غيابياً، ذكر في مقالته الأسبوع الماضي في صحيفة «الحياة» بأن «تنظيمات داعش والقاعدة غير مرحب بها، وعلى رغم ذلك فهي موجودة فعلاً في العراق ومحاضنها عشائرية مختلفة. هذه حقيقة، وأعضاء هذه التنظيمات من العرب السنّة، لكنها لا تمثلهم»، وأكد أيضاً الشيخ الرفاعي مفتي الديار العراقية الداعم للحراك الذي تقوده العشائر ورفضه لوجود الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، ولكل أشكال الإرهاب» والافتراض بتأجيل الخلاف أو الصراع مع مثل هذا التنظيم إلى تنحي أو إبعاد المالكي هو أمر بالغ الخطورة، فمثل هذه التنظيمات لا يمكن أن تقبل بأي شكل تعاقدي على الأرض ولا تؤمن إلا بإقامة وفرض دولتها بالقوة والقهر وتكفير من يخالفها أو يعارضها، ومشروع دولة داعش يعمل على ثلاث مراحل، يبدأ من مرحلة السطوة والسيطرة ثم مرحلة عدم الاحتكاك مع مسلحي الفصائل الأخرى التي أسهمت معه عسكرياً إلى مرحلة التخيير بين فرض البيعة على كل من يحمل السلاح في مناطق نفوذه وإلا مصيره القتل، ولقد مارس ذلك فعلياً، فبعد مضي يومين من سيطرته على محافظة نينوى أصدرت «داعش» وثيقة سمّتها «وثيقة المدينة»، تؤكد احتكاره السيطرة على المدينة وحده، من دون بقية الفصائل وتمنع أي مظاهر من مظاهر التعددية السياسية حتى بين الفصائل التي أعلنت سيطرتها على المدينة بالقول: «أما المجالس والتجمعات والرايات بشتى العناوين وحمل السلاح فلا نقبلها ألبتة»، محذِّرة من «تعدد المشارب والأهواء»، ومهددة إياهم في حال القيام بالأمر، بدعوى شقهم وحدة الصف، في مؤشر خطير لاحتمالية مواجهة بقية الفصائل الأخرى عاجلاً أو آجلاً، وأصدرت لاحقاً تعليمات جديدة لأئمة وخطباء مساجد الموصل بمنع المساهمة والانخراط في أي جماعة لحماية المناطق أو رفع أي راية سوى راية دولة الإسلام.
&
إن العراق يمر بمرحلة تستوجب من الأطراف والقوى السياسية السنية والكردية كافة، ولاسيما القيادات الشيعية المعارضة لنهج وسياسات المالكي العمل على رفض جميع سياسات التخندق الطائفي بدعوى حماية الطائفة والمقدسات الدينية من إرهاب «داعش»، أو تبرير التخندق والتحالف مع تنظيم الدولة الإسلامية مرحلياً بحجة حماية السنة وضرورة إنقاذ البلاد من شفير ومستنقع حرب أهلية مدمرة بتنحية المالكي وتشكيل حكومية وطنية انتقالية تقوم على أساس المواطنة وإلغاء نظام المحاصصة الطائفي.
&
