&الخلاف الأوروبي البريطاني على اختيار جان- كلود يونكر رئيساً للمفوضية الأوروبية، وتقارب محتمل بين أميركا وإيران على خلفية الصراع الجاري في العراق، ومصاعب اقتصادية جدية لدول «البريك»، ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية.
انتخاب «يونكر»
في صحيفة لوفيغارو حلل الكاتب بيير روسلين دواعي معارضة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لانتخاب جان- كلود ونكر رئيساً للمفوضية الأوروبية، خلفاً لخوزيه مانويل باروزو، وهي معارضة دعمها الإعلام البريطاني بقوة، وظلت لندن متمسكة بها حتى انتخاب رئيس وزراء اللوكسمبورج السابق أول أمس الجمعة، ويتوقع كثيرون أن تكون لهذا الاختيار تداعيات سلبية على مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وقال الكاتب إن الحماس والعناد الشديدين اللذين تعاملت بهما لندن مع ترشيح يونكر لرئاسة المفوضية يمكن وصفهما بأنهما غير مسبوقين، وغير معهودين أيضاً في تقاليد اختيار من يتولون مهام عليا في هياكل الاتحاد الأوروبي، وإن كان الموقف البريطاني أيضاً قابلاً للفهم. فكاميرون لا يريد أن يتولى رئاسة المفوضية سياسي معروف بنزعته الفيدرالية الاتحادية المتحمسة، حيث إن «يونكر» يصنف تقليدياً على أنه من دعاة إقامة «ولايات متحدة أوروبية»، هذا زيادة على كونه منتمياً إلى الحزب الشعبي الأوروبي الذي نال أكبر عدد من المقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي. ويعتقد رئيس الوزراء البريطاني أن المشرّعين الأوروبيين يفرضون عادة إرادتهم على رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد، وعندما يأتي رئيس مفوضية من دعاة الفيدرالية الأوروبية، ومن محازبيهم، فإن هذا سيقوي النزعة الاتحادية، وهو ما لا تريده المملكة المتحدة.
والحقيقة أن كاميرون، يقول الكاتب، لم يكن أيضاً منفرداً في موقفه المعارض لاختيار «يونكر»، وذلك أن الجمهور العام وأغلبية الناخبين في بلاده يرضيهم هذا الموقف. وأكثر من هذا لو نظرنا إلى طريقة انتخاب «يونكر» من وجهة نظر لندن، سنقول إن اختياره وقع بطريقة أبعد ما تكون عن الديمقراطية، والدليل على ذلك موقف الناخبين البريطانيين السلبي من الحزب الشعبي الأوروبي في انتخابات 25 مايو الأخيرة. وبالنسبة لمن يعتبرون أن رئيس المفوضية الجديد تم اختياره بطريقة ديمقراطية، فمعنى هذا أنهم يستثنون المملكة المتحدة! ومن المعروف أن لندن لديها من الانتقادات الكثير على البيروقراطية الأوروبية القابعة في بروكسل. بل إن من يرون أن هذا الانتخاب من شأنه المساهمة في تحفيز جهود الاندماج الأوروبي، إنما يتغافلون عن الوجه الآخر السلبي جداً في المسألة، وأقله أن يتم الآن تحفيز مشاعر التحلل من المشروع الأوروبي برمته على الجانب الآخر من بحر المانش (القنال الإنجليزي).
وفي هذا السياق قال الكاتب إن من الخطأ البالغ عدم اكتراث البعض لاحتمال انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فهاجس مثل هذا ينبغي أن يكون مؤرقاً للجميع، خاصة بالنسبة لفرنسا التي تجد نفسها في موقف صعب وهي تحاول معادلة الوزن الألماني الهائل في الاتحاد، لأنها في هذه الحالة ستفقد شريكها الأوروبي الوحيد الذي يتحرك وفق رؤية استراتيجية عميقة. أما من يظنون أن الاندماج الأوروبي سيسير بخطوات أسرع وفي ظروف أيسر في حال خروج بريطانيا منه، فهم يغفلون عن الخسارة الهائلة التي ستلحق بالاتحاد من دون بريطانيا. ومفهومٌ أن اتحاداً أوروبياً من دون المملكة المتحدة سيفتقر إلى كثير من مقومات القوة والرؤية في تسيير شأنه الداخلي، وسيكون محروماً أيضاً مما كان يتمتع به، مع وجودها، من قوة تأثير خارجي على المسرح الدولي. وفي مواجهة الصين وروسيا والولايات المتحدة ستكون أوروبا قد فقدت الكثير من وزنها وقدرتها على المنافسة والمقاومة. ومن هنا فإن بذل كل جهد لإبقاء بريطانيا في الاتحاد، ينبغي أن يكون هو الهدف والغاية والأولوية في أجندة قادة الاتحاد. وهذا يقتضي إجراء إصلاحات جذرية على المؤسسات والعلاقات داخل الاتحاد الأوروبي، بطبيعة الحال.
واشنطن- طهران: التقارب؟
تحت هذا العنوان تساءلت صحيفة لوموند عن دلالة بعض التحولات والمؤشرات الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرة في البداية إلى أن من وصفته بأنه كان رئيساً أميركياً ساخراً وكذاباً وغير ملتزم (نيكسون)، هو من أقدم ذات يوم على تغيير قواعد اللعبة مع الصين التي كانت مصنفة على أنها عدو لأميركا، وذلك لإضعاف عدو آخر لبلاد «العم سام» هو الاتحاد السوفييتي السابق. وقد استفاد نيكسون في ذلك من الحساسية البالغة والصدوع العميقة في علاقات صين «ماو تسي تونج» الشيوعية مع الرفاق الشيوعيين الروس الحاكمين في الكرملين. ولذا كان الانفتاح على الصين لمواجهة عدو آخر مشترك، بمثابة زواج مصلحة مبرر تماماً بمنطق الواقعية السياسية في ذلك الوقت. وقد كان الطرفان رابحين فعلاً: فقد تم إضعاف الاتحاد السوفييتي وحرمانه من أقوى وأهم حليف شيوعي ممكن، وفي الوقت نفسه استفادت الصين أيضاً وبدأت قصة إقلاعها الاقتصادي الكبير، الذي ستبدأ ملامحه تتضح مع خلف «ماو تسي تونج».
كان ذلك بالأمس في بداية السبعينيات من القرن الماضي، تقول الصحيفة، أما اليوم فيبدو أن هذه الطريقة في قلب المعادلة محتملة أيضاً في الشرق الأوسط. فبمنطق المصالح المشتركة تقاسم أميركا الآن إيران الشيعية الموقف من البعبع الذي طالما أرقها منذ ثلاثين سنة، وهو تحدي الجماعات «الجهادية» السنية المتطرفة، خاصة بعد تفاقم خطر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف اختصاراً باسم «داعش»، الذي بات الآن يحتل مناطق واسعة من العراق وأخرى من سوريا. ويبدو اليوم أن دواعي خوض الحرب ضد الجماعات «الجهادية» المتطرفة باتت تدفع الجمهورية الإسلامية والشيطان الأكبر للتقارب من بعضهما بعضاً، تقول الصحيفة، وذلك لكون إيران هي حامية حكومة بغداد، والمزارات الدينية الموجودة في العراق، وهما مستهدفان من قبل «داعش». وفي الوقت نفسه ترى واشنطن أيضاً في تمدد الجماعات الإسلامية المتطرفة والعنيفة في منطقة بالغة الحساسية والأهمية من الشرق الأوسط، خطراً يتهدد أمنها القومي. وبهذه الكيفية تلتقي الأخطار المشتركة مع الأهداف المشتركة، لكلا الطرفين.
وفي سياق متصل ناقشت الكاتبة «ألكسندرا شواتزبرود» في افتتاحية لصحيفة ليبراسيون أبعاد استيلاء تنظيم «داعش» على مناطق في العراق، والأخطار المترتبة على ذلك مشيرة إلى أن كارثة بصدد الوقوع والتفاقم ومع ذلك لا أحد يفعل شيئاً لتطويقها، حيث يواصل التنظيم التقدم باتجاه بغداد، ويحاول وضع اليد على أكبر مصفاة نفط في البلاد، وفي الوقت نفسه ما زال يتمسك أيضاً بحضور محسوس في سوريا. وأخطر من هذا كله حجم العتاد العسكري الذي تحصل عليه التنظيم من الجيش العراقي الذي هرب تاركاً وراءه أسلحته. ويتهدد خطر «داعش» الآن بعض دول الجوار العراقي الأخرى. وفي الوقت نفسه هنالك أيضاً وجود للجماعات المسلحة المناهضة للأميركيين والشيعة يقودها بعض الوجوه البعثيين الذين كانوا مقربين من صدام حسين. وكلما مر الوقت سيكون من الصعب إيقاف تحرك «داعش»، نظراً لعملها على استكتاب شبان جدد، تساعدها في ذلك سياسات المالكي. والأخطر أن ضمن ما استحوذت عليه في العراق طائرات مروحية قتالية من نوع «بلاك هوك»، ومدافع ثقيلة، ومئات الملايين من الدولارات. وكل هذا يعطيها قوة نارية ومالية مثيرة للقلق. وفي الأخير ذهبت الكاتبة إلى أن الدعوة لجمع قادة المنطقة على طاولة حوار لإيجاد سبل خروج من التحدي الجاري في العراق تبدو دعوة مفيدة وضرورية، ولكن ألم يقع شيء من هذا القبيل أيضاً في لحظات الصراع الصعبة في سوريا، دون أن يؤدي ذلك لإنهاء مأساة الشعب السوري؟ لم يعد للغربيين أي رصيد من الثقة في المنطقة، على نحو يسمح بالاعتقاد أنهم ما زالوا قادرين على الإمساك بزمام المبادرة.
نهاية الدول البازغة
تساءلت صحيفة لوموند في عنوان مقال تحليلي: «هل ما زالت هناك دول بازغة؟»، مبرزة المصاعب الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تواجهها بعض الدول الصاعدة الآن، فالبرازيل تجتاحها موجة من التظاهرات المطلبية الاجتماعية، وتايلاند تغوص في أجواء حرب أهلية مثيرة للقلق، وروسيا ترتمي في سياسة غزو إمبراطورية على حدودها. وقد أدت نهاية سياسة التضخم النقدي التي كان يتبناها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى مكاسب لبعض هذه الدول، لقيت كثيراً من الترحيب والترويج حينها، وغطت أحياناً على تناقضاتها الداخلية. ولكن بعض الدول البازغة بدأ يشهد الآن مصاعب بسبب انخفاض أسعار المواد الأولية، وتراجع المكاسب الاقتصادية، وقد تأدّى الأمر بدول «البريك» خاصة إلى وضع دقيق، قد يكون بداية لانحسار اقتصادي أشد وطأة، وإن كان احتمال تمكنها من تجاوز الظرف الراهن الصعب، بسياسات ملائمة، يبقى أيضاً احتمالاً وارداً وفي المتناول.
إعداد: حسن ولد المختار
&
