وليد أبي مرشد

في وقت تنهار فيه هيبة الدولة اللبنانية وتكاد تغرق في حالة شلل قد تجعلها مقعدة إلى فترة غير معروفة، كان متوقعًا أن تتشدد أجهزتها الأمنية في تصديها لمظاهرات «الحراك الشعبي».

التشدد الأمني قد يكون إجراءً ضروريًا لاستعادة هيبة الدولة.. ولكنه، قطعًا، ليس الإجراء الأنسب، فالإفراط في الاعتماد على الحل الأمني لأي نزاع سياسي في لبنان قد يطيح «بالظاهرة اللبنانية» المميزة في الشرق الأوسط.

إذا كان ثمة عبرة لمظاهرات لبنان السلمية فقد تكون تأكيدها أن الحالة اللبنانية ما زالت مختلفة عن حالة دول الجوار التي اختصرت الحياة السياسية فيها بالسلطة المركزية، واستطرادًا بأجهزة مخابراتها. ورغم أن التركيبة البنيوية للمجتمع اللبناني التعددي تشكل، إلى حد ما، مناعة ذاتية من الإصابة بعدوى «المركزية» السائدة في دول الجوار، فذلك لا يزيل مشاعر قلق الكثيرين من قضم تدريجي للحريات العامة في لبنان الذي يمر اليوم بحالة فصام ظاهر بين شارع ضاق ذرعًا بما يتحمل من أعباء معيشية ومن فقدان لأبسط الخدمات الاجتماعية وسلطة سياسية ضاقت ذرعًا بمطالب الشارع - ومعظمها بديهي في أي دولة عصرية.

ملامح حالة الفصام اللبنانية تبرر التخوف من أن تتحول إلى عامل زعزعة للسلم الأهلي في حال تطورها إلى صراع بين جيلين: جيل الحرب الأهلية الممسك بزمام السلطة إلى يومنا هذا، وجيل الحراك الشعبي المتطلع إلى دولة تكون قيّمة على حقوق اللبنانيين كما واجباتهم.

لا يختلف لبنانيان، إلى أي جهة سياسية انتميا، على أن إصلاح الدولة، وإعادة تأهيل مؤسساتها، هو عنوان المرحلة. واتهامات الهدر والفساد المتبادلة بين عدد من نواب البرلمان، وقبلهم بعض وزراء الحكومة الواحدة، مبرر كاف لاعتبار مواجهات الحراك الشعبي والسلطة السياسية صدامات تتعدى «المحاسبة السياسية» إلى صراع بين جيلين وذهنيتين.

قد يكمن هنا بيت القصيد.. فجيل الحرب الأهلية، رغم إقراره ضمنًا بضرورة إصلاح الدولة، متمسك بمواقعه والحراك الشعبي زاده تمسكا بها.

أقصى ما يرضى به جيل الحرب الأهلية من «تنازلات» هو تسوية سياسية مع الجيل الصاعد لا تخرج عن قاعدة تسويات لبنان التقليدية - كي لا نقول التاريخية - أي «لا غالب ولا مغلوب».

بيد أن تمسك طرفي المواجهة بمواقفهما في ظل غياب أي مسعى لإطلاق حوار جدي بينهما من شأنه تحويل لبنان - بمؤسستيه السياسية والاقتصادية - إلى «مغلوب» وحرمان السلطة والشارع، معًا، من مجد الادعاء بأنه «الغالب».

قد توصلت حملة الحراك الشعبي إلى إسقاط الحصانات الطائفية لمن تتهمهم بالتقصير والهدر بين أرباب السلطة. ولكن الحراك ما زال أعجز من أن يطيح بالتركيبة الطائفية - التوافقية للنظام اللبناني بدليل أنه لم يفلح، حتى الساعة، في تحقيق مطلبه السياسي الأدنى، أي استقالة وزير البيئة. وعوض أن يدفع الحراك الطبقة السياسية إلى استرضائه مطلبيًا، وضعها - على العكس - في موقع دفاعي حوّل «حائطها» في السراي إلى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضًا - بصرف النظر عن التباينات الحزبية أو السياسية بين مكوناته.

مع ذلك، إذا كان لا بد من «تنازل» يضع حدًا لمواجهات الشارع والسلطة، فالمفترض أن تأتي مبادرته من الطرف الأقوى، الطرف الممسك بالسلطتين الأمنية والقضائية، أي الدولة. في هذا السياق تشكل «طاولة الحوار» مدخلاً متاحًا للتسوية بمجرد خروجها عن قاعدة «محاورة الذات» ودعوة ممثلي المجتمع المدني والحراك الشعبي إلى المشاركة في وضع تصور مستقبلي لصيغة لبنان الغد.

بذلك تكون طاولة الحوار قد عززت حس المسؤولية في أوساط قادة الحراك الشعبي وأشركت الجيل الصاعد في القرار السياسي، وفي الوقت نفسه مهدت لتداول طبيعي للسلطة يصون «الظاهرة اللبنانية» في الشرق الأوسط.