غسان الإمام
أَلِفَ السوريون واللبنانيون الهجرة، منذ أواسط القرن التاسع عشر. وظلت هجرتهم مغامرة. فردية. رومانسية، إلى نهاية ثلاثينات القرن الماضي. ثم تحولت شيئا فشيئا، إلى هجرة شبه جماعية بعد الحرب العالمية الثانية. وشاركهم فيها الفلسطينيون. ثم تفوق المصريون. وبتَّ تستطيع سماع اللهجة المصرية الجميلة، حيثما سرت في شوارع أوروبا.
أين هاجر هؤلاء المغامرون؟ كانت نيويورك وأميركا اللاتينية حلم اللبنانيين والسوريين. ولقبوا هناك بالـ«توركو» نسبة إلى تركيا. وكان «التوركو» ذاك اللبناني الذي يحمل «الكشّة». تلك الصينية الخشبية المثبتة بزنار إلى بطنه. وقد ركز عليها كل السلع المنزلية الخفيفة التي تستهوي سكان القرى والأدغال، من هنود حمر. ومهاجرين إسبان. وبرتغاليين. وطليان.
... حتى إذا أرهقت هذه التجارة الرابحة «التوركو»، أوى إلى الأدغال. فحط الرحال في عتمة المساء، فوق صخرة ضخمة. وقبل أن يغفو يهب صاحيا. فزعا. فقد تحركت الصخرة تحته. فإذا بها ثعبان ضخم قادر على إدخال أي «توركو» في شدقه الواسع.
نجا جد سليم حلو المهاجر، من أشداق ثعابين الغابات. فأتاح لحفيده أن يجمع في المكسيك ثروة تقدر اليوم، بما يفوق 150 مليار دولار. فأنقذ الملياردير سليم، بحفنة من مئات الملايين، كبرى الصحف السياسية الأميركية (نيويورك تايمز) من متاعبها المالية.
لكن «التوركو» اللبنانيين المهاجرين إلى نيويورك لم يجمعوا ثروات. فقد أنتجوا ما هو أخلد وأسمى. أنتج إيليا أبو ماضي. وأمين نخلة. وجبران خليل جبران... أدبا جديدا. وشعرا مبتكرا. ثم انقطعوا هم وأحفادهم عن الإبداع، منذ أن أصبح الدولار الأدب المتداول في مصارف العالم.
في مراهقتي، قرأت دواوين شعراء «التوركو» اللبنانيين. وتركت رومانسية أدبهم. وشعرهم المضمّخ بالخيال. والحب. والحزن. والرقة. والزهد، أثرا كبيرا في نفسي. وأود أن أسأل الإخوة اللبنانيين الذين لم يهاجروا، بعد، كيف تسامحوا مع جبران الذي ركز في كل أدبه، على أنه سوري جدا؟
ذات يوم بعيد، حملني الحل والترحال إلى عواصم أفريقيا الغربية. كنت في رفقة زملاء صحافيين من مصر. فاعتبرنا مستقبلونا من رجال الأعمال اللبنانيين المهاجرين، ممثلين لجمال عبد الناصر. فتنافسوا في الاحتفال بنا، مفاخرين بعروبتهم. ربما لأن حسن نصر الله لم يكن قد تربع، بعد، تحت عمامته الطائفية. وكان نبيه بري آنذاك بعثيا وقوميا عربيا، على نهج ميشال عفلق. ولم يصبح، بعد، سنّيدا في مزيكا حزب الله.
لا أنسى أيضا هجرة اللبنانيين إلى مصر التي زامنت هجرتهم إلى أميركا اللاتينية. لم تعتبرهم مصر من «التوركو» الغرباء. عرفتهم باسم «الشوام» نسبة إلى الشام. وربما ما زال هذا اللقب شائعا لدى قدماء المصريين، من أمثال محمد حسنين هيكل، باشا الصحافة المصرية.
سألني الأستاذ هيكل في جلسة طويلة معه، هنا في فندقه الباريسي، عن مصدر تمويل مجلة «كل العرب» التي كانت على وشك الصدور في العاصمة الفرنسية (1982). فأجبت بأن رئيس تحريرها ياسر هواري قال لي إن رجال أعمال خليجيين يموّلونها. فغضب هيكل. قال لي أنتم «الشوام» تموهون على الحقائق دائما.
لم أنقل رأي هيكل في «الخواجات الشوام» إلى الصديق الراحل ريمون إِدِّهْ. الذي كان عميدا لحزب قومي لبناني، رافض للعروبة. رغم ليبراليته. ورغم أنه هو شخصيا من مواليد مصر. وكان إده مقيما في باريس، مهاجرا من بيروت، رافضا الإقامة في لبنان تحت رقابة «خواجات» المخابرات السورية.
كان نفوذ وتأثير المهاجرين اللبنانيين «الشوام» كبيرا في مصر، منذ أن أنشأ سليم تقلا باشا «الأهرام» كبرى الصحف المصرية. وأسس جرجي زيدان دار «الهلال». وأثرى عدد كبير من الروّاد الشوام فن المسرح والسينما في مصر. لكن المصريين كانوا يأخذون على هؤلاء «الشوام» المتمصرين اعتدالهم السياسي، وعدم مسايرة النضال المصري ضد الاستعمار البريطاني.
عملت في الإعلام المصري الخارجي ثلاث عشرة سنة. ولم ألجأ إلى القاهرة، كما فعل عدد من الصحافيين والساسة، بعد الانقلاب الذي قاده ضباط دمشق (قلب العروبة!) وأدى إلى فصم الوحدة بين مصر وسوريا (1961). عرف السوريون الهجرة إلى مصر منذ عشرينات القرن الماضي. وبينهم الصحافي والمؤرخ أمين سعيد الذي عاد إلى سوريا، من دون أن يتخلى عن اللهجة المصرية.
ثم هاجر الدكتور عبد الرحمن الشهبندر إلى مصر، ملاحقا بحكم إعدام، لقيادته الثورة السورية الكبرى (1925). وعاد الشهبندر إلى دمشق عام 1938. فاغتالته بعد عامين (1940) وهو في قميصه الأبيض، بعيادته الطبية، عصبة من الشباب المتزمتين، بتخطيط من المرجعية الدينية. فكان أول ضحية للعنف الديني في العصر العربي الحديث.
عاودت أسرة الشهبندر الهجرة إلى مصر. وتستطيع أن تعثر اليوم على أحفاد وحفيدات للراحل الكبير يعملون في الطب. والصحافة. والمحاماة هناك. ثم ما لبث أن هاجر إلى مصر سياسي سوري آخر. فقد شعر جميل مردم باكرا بفقدان الأمل في الديمقراطية السورية الوليدة، نتيجة للانقلابات العسكرية المتتالية. وكان مردم قاد، بذكاء ودهاء كبيرين، الشارع السوري ضد الانتداب الأجنبي، في غيبة الشهبندر.
توفي جميل مردم في مصر معتزلا السياسة (1960). فانتقل نجله زهير إلى جنيف، ليؤسس أول مصرف عربي في أوروبا. وواجه إشكالا خطيرا مع الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي طالبه باسترداد «كنز» الثورة الجزائرية الذي أودعه محمد خيضر في المصرف. اغتيل خيضر. لكن زهير الذي ورث دهاء أبيه توصل إلى تسوية مالية مع الجزائر. وتوفي زهير مردم في جنيف وهو عاتب علي. فقد اعتبر إشادتي بالشهبندر، بمثابة غضٍ من دور أبيه في النضال ضد الانتداب الأجنبي. وفي الصحافة، قد يخسر الكاتب صديقا عزيزا. ويكسب قارئا معجبا.
لم أعمل في السياسة. أومن بأن الصحافي الأمين لمهنته. ولقارئه، لا يغلق نافذة الانتماء الحر على نفسه. لكن السياسة دمرت حياتي. وألجأتني مرارا إلى المنفى. هاجرت إلى لبنان للنجاة من غضب الرئيس السوري أمين الحافظ. ومن حكومة الصديق صلاح البيطار الذي أغلق الصحيفة التي أعمل بها. ومكتب وكالة الأنباء التي أراسلها.
بعد 17 عاما، لحق بي صلاح البيطار، لاجئا إلى فرنسا. تناسى ما فعل. وعاد إلى الإلحاح علي، لمساعدته في إصدار. وتحرير أسبوعيته (الإحياء العربي). قلت له الصحافي والكاتب المحترف لا يعمل في صحيفة تصدر لمهاجمة نظام واحد. لم يكمل البيطار عامه السبعين. فقد اغتيل على باب صحيفته، برصاصة أودعها عملاء النظام السوري في رأسه (1980). ولم ينس حافظ الأسد أن يرسل تعزية حارة إلى أسرة مؤسس حزبه.
انتهى عصر الهجرة الفردية. وانتهت معها رومانسية المغامرة الراغبة في بناء حياة جديدة كريمة، في بلد ناء مجهول. ما نشهده اليوم هجرة تقتلع شعوبا وشبابا من الجذور. والانتماء. ليجري دمجها وتذويبها في مجتمعات متفوقة. متقدمة. عنصرية. ما الذي حدث للسوريين؟ كانت المواجهة مع نظام مافيوي شرس، يجري تثبيته بآلة القوة الأجنبية. وبقوى إقليمية لا تقل عنه تخلفا. ثم كان الإحباط. فالهجرة. والقبول بإذلال الخضوع واللامساواة، للنجاة من معارضة مسلحة لا تقيم وزنا للحرية السياسية. ولكرامة الحرية الشخصية.
&

.gif)