جميل مطر
&
الثقافة الشعبية الأميركية غنية بقصص عن مغامرات وأعمال المشاهير، جعلت من كثير منهم أبطالاً، فلم تميز في الانبهار بهم بين شقي خطر غارق في الجريمة حتى أذنيه، وزعيم سياسي وطني ضحّى من أجل بلده وشعبه وجماعته . نشأنا نعرف عن BILLY THE KID، وعن JESSE JAMES وغيرهما من أشقياء عصر رعاة البقر، وبخاصة مرحلة الانفلات التي أعقبت الحرب الأهلية الأميركية أكثر مما نعرف عن أبطال عرب عاشوا في ذلك الوقت . ثم جاءت مرحلة، أظن أنها مازالت مستمرة، ينشأ فيها جيل يعرف عن سوبرمان والرجل الوطواط تفاصيل أكثر من كل ما عرفه عن إنجازات بلاده وإخفاقاتها . كم هرولنا ونحن صغار، كما يهرول شباب هذه الأيام، لنرى فيلماً سينمائياً أو لنقرأ قصة مثيرة تحمل في عنوانها عبارة جيسي جيمس يضرب من جديد أو سوبرمان يضرب من جديد.
&
قضيت أياماً خلال الأسبوع الفائت أتابع هرولة مماثلة ذكرتني بهرولتي لمشاهدة أفلام وقراءة كتيبات تمجد بطولات "شجعان" رعاة البقر، ومغامرات سوبرمان والرجل الوطواط وغيرهما من الأبطال الذين اختاروا التصدي للشر وحملوا على عاتقهم محاربة الأشرار في المدن الأميركية . كنت أتابع تعليقات الصحف وقنوات التلفزيون على آخر "مغامرات" الرئيس باراك أوباما، كاد العنوان يكون واحداً لكل التعليقات "أوباما يضرب من جديد".
&
لم تكن قد مرت سوى أيام قليلة على صدور الإعلان عن توصل إدارة أوباما إلى اتفاق مع إيران، بعد سنوات عدة من الجفاء والقسوة المتبادلة، حين خرجت الأنباء من مدينة بنما تبشر بعودة كوبا إلى احتلال مقعدها في قمة الأميركتين، بعد 45 عاماً أو ما يزيد من صدور قرار أميركي بعزلها ثم فرض العقوبات عليها . ما كان أحد في الغرب يصدق أن رئيساً أميركياً سوف يجد الشجاعة المطلوبة لعقد اتفاق مع ممثلي النظام الإيراني أو يمد يده مصافحاً رئيس دولة كوبا . لاشك عندي في أنه في المرتين كان الأمر يحتاج إلى شجاعة، إذ كانت تقف في وجه التغيير تيارات قوية النفوذ . في الوقت نفسه اعتقد أن أوباما ما كان يمكن، مهما تحلى بقدر أو آخر من الشجاعة والنوايا الصلبة، أن يفعل ما فعل في المرة الأولى مع إيران ويعود فيضرب مجدداً في قضية العلاقات مع كوبا، إلا إذا كانت الظروف المحيطة بالقضيتين قد تغيرت إلى درجة سهلت له توجيه الضربتين.
&
قبل أربعة وخمسين عاماً، فرضت أميركا العزلة على كوبا . عشنا كل هذه السنوات في ظل الاعتقاد أن أميركا نجحت في مسعاها بقرار عزل دولة كوبا وفرض عقوبات عليها . نعرف الآن أن أميركا هي التي عاشت معزولة طول هذه المدة عن شعوب قارة أميركا الجنوبية، نجحت في عزل كوبا دبلوماسياً واقتصادياً، ولكن بثمن باهظ وهو كراهية شعوب أميركا الجنوبية للولايات المتحدة . دفعت واشنطن خلال هذه المدة هذا الثمن مفضلة إرضاء عدد محدود من الشركات الكبرى هيمن على ثروات بلاد عدة في القارة، وبخاصة في أميركا الوسطى، من ناحية أخرى، خضعت معظم دول القارة لحكم نخب عسكرية هوايتها شراء السلاح وتخزينه، فقامت بينها وبين كبرى شركات تصنيع السلاح في أميركا، وبينها وبين "البنتاغون"، علاقات وثيقة ومصالح متبادلة، ولم تكن إحداها لتقوى على الاقتراب من حكومة كوبا أو التعامل مع شعبها . كذلك نجحت الدبلوماسية الأميركية في إثارة خلافات بين حكومات أميركا الجنوبية، فلم تكن كلمتها تجتمع إلا نادراً على موقف واحد لمصلحة شعوبها وتحرير القارة.
&
تغيرت الظروف وتبدلت الأوضاع . لم تعد قائمة الحرب الباردة التي كانت السبب وراء التهديد السوفييتي بإقامة قاعدة صواريخ في كوبا في عام ،1961 وكانت الذريعة المثلى لترهيب حكام القارة من خطر الشيوعية وفرض الدكتاتورية العسكرية وتكميم الحريات . استجدت تطورات وظروف أخرى كثيرة اخترت من بينها ما اعتقد أنه لعب دوراً جوهرياً في انتقال القارة من حال إلى حال وفي إقناع واشنطن بضرورة تعديل سياستها تجاه جيرانها.
&
* أولاً: تحولت أميركا الجنوبية تدريجياً وعبر العقود الثلاثة الأخيرة في اتجاه اليسار والاعتدال واستطاعت الديمقراطية النفاذ إلى مراكز الحكم في دول عدة، وإن بصعوبة شديدة أحياناً . انعكس هذا التحول على الخطاب السياسي المتعلق بكوبا، إذ توقف الإعلام في أميركا الجنوبية عن التحدث عن كوبا الدكتاتورية، واتجه إلى الحديث عن كوبا المعزولة، ولكن الفخورة بنفسها والمقاومة بشجاعة لضغوط وعقوبات الدولة الأعظم في العالم.
* ثانياً: ظهر في القارة عملاق برازيلي حرك بظهوره الحاجة إلى إعادة النظر في توازن القوى الإقليمي، وفي نظام التفاعلات بين دول القارة الجنوبية والولايات المتحدة . كانت نهضة البرازيل حافزاً لدول عدة في القارة لتأمل في مستقبل أفضل، كانت أيضاً سبباً مباشراً في زيادة مظاهر وأعمال تمرد حكام القارة على الهيمنة الأميركية.
* ثالثاً: انتعشت الأحوال الاقتصادية في أميركا الجنوبية لأسباب لا علاقة مباشرة لها بالولايات المتحدة . كانت التجارة مع الصين أحد أهم هذه الأسباب، إذ أدى توسع العلاقات التجارية والسياسية مع الصين إلى رفع مستوى أسعار المواد الخام، وزيادة الدخول في معظم انحاء القارة .
* رابعاً: أثبتت قوى اليسار في عديد دول أميركا الجنوبية كفاءتها حين نجحت من دون مساعدة من واشنطن في التوصل إلى تسوية نزاعات عدة بين دول القارة وداخل كل منها، نجحت كوبا مثلاً في التوسط لتسوية أزمة فشلت فيها الولايات المتحدة على امتداد عقود، وهي أزمة العلاقة بين حكومة بوغوتا وثوار كولومبيا، نجحت أيضاً بوليفيا وبيرو وشيلي . بمعنى آخر . . بدأت دول أميركا اللاتينية تتصرف لأول مرة بحرية في علاقاتها ببعضها بعضاً مستفيدة من انعزال الولايات المتحدة .&
* خامساً: حدث أيضاً أن هذه الدول وزعت نفسها على منظمات إقليمية متنوعة لا تجيز بحكم مواثيقها اشراك دولة من خارج القارة، فقامت منظمة "Celac" . والجدير بالذكر أنها عقدت مؤتمر قمة في مدينة هافانا، عاصمة كوبا، في عام 2004 وحضرها رؤساء 34 دولة من أميركا الجنوبية . بمعنى آخر، كانت القارة تتجه رويداً رويداً نحو إعلان "الاستقلال الثاني" لها، بعد قرنين من حصولها على الاستقلال الأول المعروف بالاستقلال البوليفاري .
&
* سادساً: كان واضحاً في قمة 2012 للأميركتين التي عقدت في مدينة قرطاجنة بكولومبيا أن عدداً كبيراً من دول القارة لن يحضر أي قمة مقبلة لا تشارك فيها كوبا، ففي تلك القمة لم تحضر نيكاراغوا وإكوادور، بينما حضر رؤساء البرازيل والأرجنتين وبوليفيا ليطلبوا من المؤتمر توجيه الدعوة لكوبا لتحضر القمة التالية، وأصدرت مجموعة "البا Alba" الإقليمية بياناً قال أعضاؤها إنهم سيدعون إلى قمة لا تحضرها الولايات المتحدة وتحضرها كوبا، هكذا تعود القارة لاتينية صرفة وخالية من العنصر الانجلو سكسوني الممثل في الولايات المتحدة وكندا .
&
تطورات مهمة صنعت بالفعل بيئة سياسية وإقليمية مختلفة تماماً عن البيئة التي شهدت فرض العقوبات على كوبا . يبقى متصدراً هذه التغيرات واقع لم تتمكن واشنطن من اخفائه وهو انحسار المكانة الدولية والإقليمية للولايات المتحدة . يبقى أيضاً أن نعترف بالدور الجوهري الذي لعبه الرئيس أوباما لتحرير المكتب البيضاوي في البيت الأبيض من نفوذ قوى يمينية ومصالح أميركية قوية وقفت دائماً ضد تطبيع العلاقات مع كوبا، وضد السماح لأميركا الجنوبية بممارسة إرادتها الحرة . يكفي مثلاً أنه أعلن استهانته بأصوات الأميركيين من أصول كوبية في ولاية فلوريدا، مقابل اعترافه بأهمية ملايين الأصوات الجديدة للأميركيين الجدد المتحدثين بالإسبانية .
&
كثيراً ما كنت أتساءل عن جدوى عزل كوبا خاصة وقد لمست بنفسي على مر العقود ضخامة حجم العائد السلبي لهذا العزل على شعبية أميركا وعلاقاتها بالقارة الجنوبية . جاءتني، ذات مرة، إجابة لم أقتنع بها في ذلك الحين، وهي أن في أميركا، كما في غيرها، أجهزة بيروقراطية تتسم بالغباء، وما الاستمرار في فرض الحصار والعقوبات على كوبا إلا نموذج بارز لهذا الغباء . أخيراً اقتنعت . اقتنعت عشية انعقاد قمة بنما عندما صدر إعلان في واشنطن يفيد بأن الولايات المتحدة قررت في ذلك اليوم اعتبار فنزويلا دولة تمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي . صدر الإعلان بينما جميع الجهود وأجهزة الإعلام وعواصم العالم تركز على الإنجاز الكبير الذى ستحققه هذه القمة بفضل شجاعة كل من أوباما وكاسترو، وبخاصة أوباما الذي استطاع بذكاء وحكمة اختيار الفرصة ليضرب ضربته الجديدة على طريق إصلاح السياسة الخارجية الأميركية .
&
هذه المرة أجبت بنفسي عن السؤال، إنه حقاً "لغباء بيروقراطي شديد"، غباء مثله كان سبباً في عزل أميركا عن القارة الجنوبية عقوداً عدة، وسبباً في حصار وعقوبات فرضت على اثني عشر مليون كوبي لمدة 45 عاماً .