فاطمة عبدالله

&ماذا أكتب عن سمير عطاالله، عن التدفّق والزخم وأقدام الأرض في كلّ مكان؟ عرفتُ سمير عطاالله هيبة واجتهادا وأسفارا جميلة مكتوبة بروح فنان. يُسفّر قارئه في الأقاصي والبُعد والمسافات، وفي الوسيلة، أكانت طائرة لم يعد يستهويه ركوبها أم قطاراً أم أمواج بحر. لا يكتب السفر فحسب، بل يجعله أمنية. أمنية الحالمين بالغد. يُجمّل حتى الفراغات وانكسار الشعوب المغلوبة. ولا ينفكّ يتحسّر على ما آل إليه الوضع. تهبّ إلى باله أنوار الأمس وملامح الحقبة والمصير، وتعذّبه آلام المرحلة والجوع ومراكب الغرق. ولا يزال يستسمح قرّاءه لأنه رجل المقارنات، المشغوف بالتاريخ وأمجاده، المعذّب بضحالة اليوم. يمسك قارئه إلى الزمن الذي يحبّ، حيث الهامات وما يهوى تسميتهم الكواكب، وهم العقلاء والحالمون والضمائر.

يتنفس سمير عطاالله في بتدّين اللقّش، مسقطه، نقاءَ القرى في تركيبة المرء. شلال مثل شلالات جزين في لحظة تدفّق مدهش. أخضر نضر رغم تقلّبات المواسم، وبديهي أن تطرأ على الخضرة أمزجة الجفاف. "مقال الأربعاء" فيض في المعاني والاستعادات والروائع. تاريخٌ في علاقة الأدب بالسياسة والمكان. ما يشمخ ليبلغ السماء وما يتجذّر في العميق ليستقرّ في القلب. الأديب الشائق، المالئ قارئه بهجة الأسلوب ومتعة التلقّي. الرحّال الكئيب في أحيان. البحر الفيّاض بالموج والحركة واللآلئ. المشبِّع التوّاق إلى ابتلاع الحياة في السكينة والصخب ولقاء العناصر. الذي، الأربعاء هو يومه في "النهار"، فيكتب عمراً بأكمله وولادات ومسارات، وموقفاً وعبرة وانسياب الفكر على لوحات نادرة. تجمع "دار النهار" مقالاته بكتب تحمل عنوان المرحلة والتأملات في المصير والإنسان: "لبنانيات" و"سنوات الثورة وعام الغياب" و"انقضاء الشرق"، تحضر في كلّها روح غسان تويني وضمير الرجلين في الفكر والصحوة والنداء. مقالات شاهدة على أحوال البشر وتلبّد السماء من حول البؤساء، تُستعاد بمتعة القليل الممكنة قراءته مرّات من دون ضجر. بعضنا حين يقرأ قديماً كتَبَه، يصيبه الخجل لفرط ما قد يرى العيوب والثغر. ويشاء عدم الالتفات إلى خواطر الأمس مفضلاً إبقاءها في النسيان. سمير عطاالله يكتب كأنّه الذروة والنضج والوصول التام في كلّ وقت. كالأطايب واللذائذ وحصاد الموسم. والرغيف بسخونته في لحظة تضوّر الأمعاء. عنه يقول أمين معلوف: "صورة الشاعر نثراً وشعوراً هي الأكثر بروزاً في شخصية سمير عطاالله"، وصدق. إذ فيه الإنسان الهشّ أمام الفظاعات والحالم العنيد المتمسّك بالنموذج، الكاره العدميات، الكاتب بالضمير وبالشعور مآسي المعذّبين والمهجّرين والمقتولين بالخذلان والحروب وبيانات الاستنكار.&

المتوهّج "في زمن الرمال السائدة"

يسمّي نفسه في مقالاته "المحبِّر" ويسمّي قارئه "جنابك"، وإن كان المقال في "الشرق الأوسط" عبارة عن سلسلة (أروعها التي تُكتب في الصيف: "مدن الصيف"، "رحّالة الصيف"...)، فإنه يختمها بكلمتي "إلى اللقاء"، ليدرك القارئ من تلقائه أنّ غداً الموعد مع باقي السرد. فينتظر. وقد يتسبّب جفاف النصّ في أحيان، بنفور القرّاء لو أنّ كاتبه غير سمير عطاالله المتوهّج "في زمن الرمال السائدة"، كما قال عنه محمود درويش. لكنّه يُطعّم المقال بنَفَس الأديب المبدع، فلا يعود مجرّد حدث سياسي، بل يغدو مشهداً وصوراً وأصوات طيور ترفرف فوق البحيرات، أو أنين طفولة يهزمها البؤس والخراب.

تأخذه الكتابة اليومية في "الشرق الأوسط"، وكلّ أربعاء في "النهار" (عمل أيضاً في "الصياد" و"الأسبوع العربي" و"الأنباء" الكويتية، ورحلة طويلة من الحماسات)، عن الضوء المسلط على الأديب بعد صدور كتبه. هو في انطباعات القرّاء صحافيّ عمل في القسم "العربي والدولي" في "النهار" وغطّى مؤتمرات كبرى حدّدت مصير دول، وله اليوم مقال يومي وآخر أسبوعي. حتى أنّه كأديب أو روائي لم يحظَ بفيض التقدير الذي يستحقّ. مؤلفاتٌ بديعة لسمير عطاالله لم يبدُ أنّها نالت وهجاً يليق به ولا سيما في ذاكرة جيل الانترنت. تحضر "يمنى" في الطليعة؛ روايةٌ تتخطّى السرد الأدبي إلى التحوّل مشهداً سياسياً يحاكي تاريخ لبنان في حقبة الاستقلال، ويقدّم رؤية من نجاة الوطن وعذاباته وبعضاً من مرحلة عظيمة حلّت عليها في النهاية المأساة يوم أحرقت إسرائيل الطائرات في المطار، فيما لبنان يستعدّ للاحتفال بليلة رأس السنة. في "الشرق الأوسط"، كتب عطاالله أنّ "يمنى" تركت خلافاً في الرأي بينه وبين غسان تويني المؤمن في لبنان الأمل رغم الندوب، فيما عطاالله ميّال إلى التحسّر على مرارة الأوطان وانتكاساتها. وقال في مقاله إنّ عميد "النهار" هو مَن منح الرواية اسم "يمنى"، ولم يبقَ فيها من توجّهات الأستاذ سوى الاسم. لا يكفّ أديبنا العذب عن استذكار تويني بحضوره وفكره وبديع ما ترك أينما حلّ. يراه الصرح والصرخة والصوت. والضمير والموقف وصلابة "اتركوا شعبي يعيش" من على منبر الأمم المتحدة وخذلان الفيتوات. كحضور تويني في كتابات عطاالله يحضر المتنوّرون والخلّاقون والشعراء. حبقٌ ورياحين وعطر ينتشر مثل نسائم الليل، ينثرهم عطاالله بين السطور وفي المعاني والمفردات. دوستويفسكي، ثرفانتس، ماركيز، كامو، فولتير، أنسي الحاج، سعيد فريحة، كامل مروة وقامات أخرى تحرّض على الشغف والعزيمة، مثل ديغول وريمون إده وفؤاد شهاب وروز اليوسف، الدائمي الحضور فيه، والاستعادة والشوق.

المتنقّل في مسافات الأوطان كالشمس

في 13 كانون الثاني الفائت، كنا داخل ذلك القطار الذي وصّف سمير عطاالله ارتجاجاته وتأرجح ناسه بين اللامبالاة والخوف، في مقال عنوانه "كيس من ورق في قطار فرنسي"، نُشر في "النهار". مُتقِن الوصف وناقل الإحساس من خارج يغرق بالضجة، إلى الإنسان حيث هو في الزوايا أو الانشراح أو الغياب. كُتب ومقالات سرد فيها أديبنا رحلات الأقاصي والأعماق في الشرق والغرب، موثّقاً بروعة القلم مرور العين على الحضارة والنهضة والتحوّلات، واعتصار القلب بأكواخ المتألمين وشوارع الفقراء. "مسافات في أوطان الآخرين"، تجربة الترحال بين كندا ولندن وباريس، كتبها عطاالله المتنقّل بين الأوطان كالشمس. له في كلّ أرض وردة وأريج وعطر. وفي كلّ حيّز حضورٌ وفرادة. يُبدّل الأماكن، مجرجراً خلفه خيبة مَن رأى الوفرة وتؤلمه اليوم السنون العجاف. يكتب في المشي كلمات من شعر: "كنت أعتقد أنّ المشي متعة أو رياضة، لكنني قرأت أمس أنّه فنّ من فنون الحياة. إنّه كسلٌ متحرّك لا كسل استرخاء. هو بالأحرى استرخاء مفيد. رياضة ذهنية هادئة ورياضة جسمانية معتدلة، وأحياناً تضيف إلى هذه وتلك بهجة النظر إذا كنت في قرية أو حديقة أو غابة، أو ملاصقاً لهذه الطبيعة الرائعة بأيّ شكل من الأشكال". يكتب ليُبهج. ليُبقي الفارق بين الموهبة والآلات. وبين الزيف واللمعان. جمعت له "دار النهار" مقالات يعود تاريخها إلى العامين 2000 و2001، بعنوان "قليل من الجغرافيا، كثير من التاريخ"، مرفقة بنصوص تحاكي الأزرق الجميل والسنين التي مضت. من يتابع عطاالله ينتظر أديباً ينهل من الأزمنة والأمكنة ويكتب الشعر بينما يسرد الحوادث. كُتب ومقالات تُبيّن الخلط البديع للتاريخ والجغرافيا بالأدب والسرد، مميِّزةً عطاالله عن جمود المؤرّخ وشطحات الجغرافي وتمسّكهما في الغالب بالمنحى العلمي الجاف وحده في قراءة المعطيات. "أوراق السندباد"، عذوبة هذا الخلط. في الكتاب استعادة تاريخية لشخصية السندباد، المتنقّل بين الأوراق والأمكنة والعصور، مروراً بمرحلة هارون الرشيد في بغداد. عطاالله رحّالٌ وكاتبٌ عن الرحّالة بغير أنفاس الأقلام. لم يقدّم في "أوراق السندباد" أو في "مسافات في أوطان الآخرين" وغيرهما من أدب الرحلات، مجرّد طرح عابر لملامح المكان وصمته عند الفجر. ما قدّمه صلة الحضارة بالشعب. الإنسان بالطبيعة. التطوّر بإرادة البقاء. النفور بالتكيّف. أضاف إلى "أوراق السندباد" قدرته الفريدة على الحؤول دون ملل المتلقي من جدّية المعلومة وجمود محطات بعض العصر، فجعل من صراع السندباد والقراصنة قصة داخل قصة، ومن أسطورة طائر الرخ في روايات ماركو بولو غزارة مشهدية تخترق احتمالات الجماد، وفي الآن عينه تترك الخيال على سجيّته محلّقاً، خلّاقاً، منتشياً، لا يتراخى، فضاؤه العذوبات.

المدن ككائنات جمالية متبدّلة

يحطّ عطاالله في المدن بعد تعب الطريق وإرهاق المسافات. لا البال يرتاح ولا النفس تستكين أينما يحلّ. هو في المدينة بعض ناسها وأحلامهم وجراحات يومياتهم، يكتب بالنزيف والرغبة في مداواة كلّ نفس. عن الكتابة يقول أنسي الحاج: "أشعر أحياناً أني أكتبُ من وراء الكتابة/ كصوت مَن ينطق من وراء الموت". كتابات عطاالله عن المشهد الحيّ في مدن مأزومة وزوايا الطمأنية الهشّة. كمشهد الطقس البارد رغم أشعة الشمس في نيويورك وهو على مسافة قصيرة من مبنى الأمم المتحدة. يُتقن التعامل مع المدينة ككائن جمالي متبدّل. أسطورة من شمس وظلّ. زخم الأرشيف في متناول جميع الناس. تهمس له أوراق الأشجار إن استراح في حديقة وراقب عصفوراً يزقزق وقطّة تبحث عن دفء، ثم ترمقه كأنّهما أصبحا صديقين. وفي اليوم التالي يكتب في "الشرق الأوسط" عن علاقة العصفور بالطبيعة والإنسان بالمصادفة والمفاجآت. مدن سمير عطاالله مقارنات ما فات بالذي نشهد، خراباً أكان أم محاولات الالتحاق بالقرن. تحلو له تسمية الخراب بالعدميات، ومقارنة أحوال الأمم بشيء من البكاء على المجد. سمير عطاالله كلٌّ، إن كتب المدينة أو المسافة أو الذاكرة والإنسان. للمدينة وجه من ضحكات ودمع، تنتظر مجيء عطاالله لتسرّ له الحكايات، هو المقيم أو الزائر، مبدّل المنازل والكتب كي تلائم مزاجية المكان. حكايات الصين وهي تنافس العالم، الهند وهي تحقّق التقدّم، وسنغافورة وهي تشكّل نموذجاً مثل دبي. يتألّم لبيروت الفساد والقمامة، كونه الشاهد على تألّق "سويسرا الشرق" وأنوار أبنائها على صفحات البحر في زمن فائت. ظلّ رفيق إنسان الحلم والحرية وإرادة الحياة. له في السياسة رأي، فيكتب في نقد المعطّلين ورأس لبنان المقطوع، وفي أنانيات عشّاق الكرسي والوصول إلى بعبدا بقبضات فلاديمير بوتين وإقفال الجناح العسكري لعائلة المقداد طريق المطار. في هبّات الإقليم، يقف مع السعودية في قيادة "التحالف العربي" وردّ التوسّع الحوثي، ويرى في خُطاها حكمة، وإن يُحسب عليه ما قد يُعتبر "تماهياً" يحول دون نقد بعض الخيار السعودي في السياسة والموقف والقرارات.

أخشى الختام حتى ما بعد مراجعة النصّ، ليقيني أنّ المكتوب هو القليل عنه. كلّما أراجعه، أدرك أنّني لم أغرف من اليمّ سوى قطرات. المسألة أنّ سمير عطاالله لا يُكتَب في خلاصة. أدّعي أنّ المكتوب تحية فحسب، إلى هامة من عطاء وبهجة. وقلم هو في ذاته أصالة ومدرسة. لا توفي كلماتٌ مرتجفة حقّ أديب أمضى العمر يكتب ويقرأ ويسافر من أجل القراءة والكتابة والإنسان في سعادته وقهره. نموذج الذهب المذهل.