& أحمد مغربي
لم تكن الاستراحات المتكرّرة لارتشاف القهوة أثناء الجلسات المتعاقبة في منتدى «تواس - بيوفيجن الإسكندرية 2016» TWAS - BVA 2016، سوى مساحة أخرى للتفاعل الاجتماعي المكثف بين الباحثين الشباب الذين قدموا إلى المنتدى من دول عالم ثالثيّة مختلفة. وفي «مكتبة الإسكندريّة»، تعقد «الأكاديمية العالمية للعلوم من أجل تقدّم العلم في الدول النامية»The World Academy of Sciences for the Advancement of Science in the Developing countries التي تشتهر باسمها المختصر «تواس» TWAS، منتدى مشتركاً مع مؤتمر «بيوفيجن» الإسكندرية، بصورة دورية. وتأسست أكاديمية «تواس» على يد عالِم الفيزياء النوويّة الباكستاني عبدالسلام الذي حاز جائزة «نوبل» في الفيزياء عام 1979. وساهم عبدالسلام في تأسيس البرنامج النووي لباكستان، بل يعتبر «الأب العلمي» لذلك البرنامج، وكرّم بإصدار طابع تذكاري حمل اسمه، عقب نجاح باكستان في إنجاز تفجيرات ذرية اختبارية عام 1998.
&قهوة وبحوث وضحكات
على نحو دائم، تدعو «تواس» منتداها المشترك مع «بيوفيجن الإسكندرية»، علماء شباباً تتولى دعم بحوثهم العلمية لمرحلة الدكتوراه، وكلهم ينتمون إلى دول عالمثالثيّة يتابعون فيها بحوثهم، لكن بعضهم يتابع بحوثه في دول غربيّة كبرى، بدعم من «تواس» أيضاً.
وفي استراحات تناول القهوة، بدت الإلفة واضحة بين الواقفين صفّاً بانتظار أكواب القهوة والشاي، مع تبادل الضحكات والنكات باللغة الإنكليزية (وهي لغة المؤتمر رسميّاً) غالباً، وبلغات وطنيّة للمقبلين من البلد نفسه أحياناً. ولم يكن تناولهم المرح للقهوة سوى استمرار لتناولهم وجبات مشتركة في الفندق الذي نزلوا فيه جميعاً، وهو قريب من تمثال الزعيم المصري الراحل سعد زغلول، مؤسّس حزب «الوفد» وقائد «ثورة 1919» ضد الاستعمار الإنكليزي لبلاده.
ومن تعبيرات ذلك التفاعل المكثّف أن معظمهم تابع مؤتمر «بيوفيجن الإسكندرية» الذي انطلق بعد انتهاء مؤتمر «تواس - بيوفيجن»، ما يعني أنهم ترافقوا سويّة قرابة أسبوع بأكمله. وخلال تلك الأيام، نسّقوا سوية جولات سياحية في الإسكندرية (معظمهم كان يزورها للمرّة الأولى)، شملت خصوصاً المقابر الرومانية الكبرى المعروفة باسم «كاتا كومب»، وأعمدة القيصر «بومبي»، والمُدرّج الروماني ومسرحه الشهير، وقلعة «قايتباي» المعروفة والمتحف المائي القريب منها و «المتحف الوطني» في الإسكندرية. وحرص بعضهم على أن تشمل جولته مواقع دينية كـ «كنيسة القديسين» الشهيرة التي شهدت تفجيراً دموياً ما زال محفوراً في ذاكرة المصريين (خصوصاً أنه سبق مباشرة «ثورة 25 يناير»)، ومسجدي «سيدي أبو العباس» و «القائد إبراهيم» وغيرها.
كانت اللغة الإنكليزيّة المنطوقة بلكنات متنوّعة هي الخيط الخفي الذي يسهل التواصل بينهم، ولامس التفاعل المُكثّف بينهم حدود التدفّق العاطفي العابر للهويّات، فظهر ألم على بعض الوجوه الشابة عند المغادرة، يفوق ما يتوقّع من فراق بعد صحبة لم تدم سوى أيام قليلة. وفي ردهات الفندق الذي ضمّهم في سهرات رافقها عزف بيانو قديم في ردهته، كانت بانوراما الوجوه والسحنات والملابس والأردية (خصوصاً لدى الإناث) وألوان الجلد وروائح العطر، تتحدّث عن تنوّع في الأوطان والأديان، وهو تنوّع شكّل جزءاً من ذلك التفاعل الشبابي الذي كان صعباً تجاهله في سياق مؤتمر «تواس - بيوفيجن الإسكندرية».
&
العلاج التقليدي في ميزان الجينات
تميّزت الباحثة التركيّة دليك تكديل بقامتها المعتدلة وضحكاتها المتكرّرة. وتسعى لنيل الدكتوراه في «جامعة أنقرة» عبر بحث عن التركيب الجيني لثلاثة أنواع من الزهور المعروفة في تركيا. ومهّدت لبحثها للدكتوراه بأن جعلت رسالتها في الماجستير تتناول ذلك الموضوع نفسه.
وبعينين لامعتين ملوّنتين، تحدّثت تكديل عن مشاكل في البحوث العلمية في بلادها، تشمل العلاقة الملتبسة بين الكفاءات و «العلاقات»، خصوصاً في ما يتّصل بتمويل البحوث. وأشارت تكديل التي ولدت في «أضنة» التي ما زالت مقراً لعائلتها، إلى أنها تمكّنت من تحديد مناطق في التركيب الجيني في تلك الزهور، تتصل بتكاثرها، بل إنها تفتح الباب أمام زيادة محصول تلك الزهور التي تستخدم للزينة على نطاق واسع في تركيا. وشاركت تكديل زملاءها في منتدى «تواس»، في الشكوى من النشر العلمي لجهودهم في المجلات العلمية الموثوقة، خصوصاً أن ذلك النشر يسهّل الحصول على تمويل للبحوث.
ومالت قامة الباكستانية نفيسة نفيسة للامتلاء والطول، لكنها شاركت تكديل في بياض الجلد. وفيما ارتدت التركيّة ملابس «كاجوال» غربية مع جينز شبابي، حرصت الباكستانية الآتية من «لاهور» على ارتداء زي وطني انسدل دوماً على قامتها المديدة نسبيّاً. وتعمل نفيسة على بحث لتنال به درجة الدكتوراه في علوم البيولوجيا. ويتمحور بحثها حول دراسة التركيب الجيني للبندورة («الطماطم» بالعامية المصرية) يجعلها قادرة على مقاومة مرض شائع يؤدي إلى فسادها بسرعة. ووجدت الباكستانية في منتدى «تواس» من وجّهها للتركيز على المنحى الاقتصادي في بحثها، بمعنى أن تبرز كون البندورة محصولاً قومياً أساسياً في باكستان، وأن المرض الذي يتناوله بحث نفيسة يقضي على نصف محاصيلها سنوياً، ما يعني أن نجاح البحث كفيل بالحد من هدر محاصيل بملايين الدولارات سنوياً.
ويصعب عدم ملاحظة أن الذكاء الوقّاد للباحثة الإندونيسية لوسي لاهريتا يسير أسرع كثيراً من سرعة كلامها. وتعتبر لاهريتا أنها تسير على خطى العالِمة الصينية يويو تو التي نالت جائزة «نوبل» للطب. (انظر «الحياة» في 6 تشرين الأول - أكتوبر 2015). وتموّل «تواس» بحث الدكتوراه الذي تعمل عليه لاهريتا، على غرار كل البحّاثة الشباب الذين حضروا المنتدى. وتتميّز لاهريتا بأنها تستكمل بحثها في اليابان، بتمويل من «تواس» أيضاً.
وأوضحت أن بحثها يتمحور حول استخدام نباتات تستخرج منها علاجات تقليدية إندونيسية، خصوصاً البهار الحار. وتسعى لاهريتا إلى معرفة التركيب الجيني الذي يعطي لتلك النباتات قدرتها في العلاج، وتالياً المواد الكيماوية التي تفرزها تلك الجينات وتكون مؤثّرة في علاج السمنة والسكري. وتلاحظ لاهريتا أن بحثها يضع علاجات تقليدية تحت مجهر العلم الحديث المتقدّم، سعياً لفرز القمح من الزوان فيه. وتشبّه عملها بما فعلته الصينيّة يويو تو، وهي مختصّة بالأدوية من «أكاديميّة الصين للطب الصيني التقليدي» في «بكين»، اكتشفت مادة الـ «آرتِميسينين» Artemisinin التي أثبتت كفاءة عالية في علاج حالات الملاريا الشديدة. وبتعمّقها في الطب الصيني القديم، لاحظت يويو أن وصفات أطباء الصين القدامى لعلاج الملاريا، يتكرّر فيها استعمال نوع معين من دود الخشب. وعندما حللت ذلك الدود وإفرازاته، توصّلت إلى «آرتِميسينين».
ومن عينين لوزيّتين، يطل أمل لاهريتا في اكتشاف ما يحتويه البهار الحار ونبتتين أخريين، من مواد تساعد في علاج السكري والسمنة، ما يفتح الباب أمام صنع تلك المواد صيدلانيّاً، وبالتالي إنتاج أدوية فعّالة للسكري والسمنة، وهما حالتان شائعتان عالميّاً. هل يتحقّق حلم الإندونيسية لوسي لاهريتا باكتشاف حلّ للسكري والسمنة، تستفيد منه شعوب العالم؟ هل تسير على خطى الصينيّة يويو تو نحو جائزة نوبل؟

.jpg)