&عبدالله بشارة
ماذا يقول المراقبون عن ظاهرة الفساد في الكويت في بلد ليس فيه طبقة مقهورة اجتماعياً، ولا مهمشة اقتصادياً، وليس فيه ظاهرة النخب الباشوية التي ظلت قلقاً ملازماً للحكم الناصري، فأهله يتمتعون بحرية غير مألوفة إقليمياً، لا تتحكم فيه سطوة الاستبداد، وأهم من ذلك أنه بلد شعب متدين ملتزم بالروحانيات يتفهم الحساسيات الاجتماعية، ويلتزم بالكوابح الأخلاقية.
لا جدال في أن الفقر قاتل، ويدفع نحو الموبقات في حالات تضعف فيها هذه الكوابح، لكن الفساد في الكويت لم تفرزه أحوال الفقر، فمعظم مواقعه في مناطق الياقات البيضاء White Collar، وهي الطبقة الواسعة في المجتمع، وأضخم أحجامها تأتي من كبار الممارسين للتجارة عبر المناقصات التي تفرز أحياناً خلافاً حول تنفيذ مواصفاتها، كما نقرأ عن كبار المتنفذين المستغلين لمراكزهم في وزارات الدولة.
وإذا كانت هذه الدولة مسكونة بضرورة توفير الرفاهية للمواطنين بكل جوانبها، زواجاً وسكناً وتعليماً وتأميناً، فأين إذن مبررات تراكمات ملفات الفساد أمام المحاكم التي نقرأ عنها ونتابع تموجاتها.
هذه تساؤلات نتعرض لها من أصدقاء ومعارف في اللقاءات الاجتماعية، أو خلال ندوات فكرية، فالقاعدة أن المجتمع المنفتح تقل فيه درجات الفساد مع الادراك باستحالة القضاء عليه.
فالفساد لا يعرف الحدود ولا الهوية، موجود في أمتن الدول، في أوروبا وأميركا، رغم الأجهزة المتطورة التي تملكها هذه الدول في آليات الكشف والتدقيق المزعج وتدريب الجهاز الاداري على فنون التدقيق والفحص والمتابعة، مسنوداً بالتكنولوجيا لتسهيل المهمة، وخبراء السيكولوجيا لتفحص وجوه القادمين والمشكوك فيهم، الذين يأتون من بقع غير مرغوب في تواجدها، بالاضافة إلى وكالات المخابرات الداخلية وآليات التلصص على اتصالات الأفراد.
والغريب أن الفساد لم يعد ملكاً للأفراد العاديين، أو كبار الموظفين والمتنفذين، بل امتدت سطوة الفساد إلى رؤساء دول وإلى أصحاب القوة والسلطة الذين أباحوا لأنفسهم ممارسة النهب من المال العام، ومن حقوق الشعب، بما فيها ميزانية الدولة واحتياطياتها، وهناك الآن رؤساء دول سابقون يعانون في سجون قاسية، أو هاربون تلاحقهم أجهزة البوليس والمخابرات.
والفساد ليس محصوراً في الأموال، وإنما يتلون بأساليب متعددة، فالفساد الاداري موجود في ترقية العاجز على حساب القادر، والتوصية للقريب وتجاهل البعيد، وفي منح ما تستلطف وإهمال ما تستثقل، وأكثر الفساد إثارة يأتي من خصومات السياسة، حيث تُمَس هيبة الدولة، وحكامها وقادتها.
وقد تعجبت شخصياً من محتوى الكتاب الأسود الذي أصدره الزعيم المصري مكرم عبيد باشا في يوليو عام 1942 يتهم فيه رئيس الوزراء وزعيم الوفد مصطفى النحاس باشا بضرب قواعد العمل، وفرض ترقيات لمصلحة عائلة زوجته وأقاربها، وهو كتاب غريب صدر في وقت عصيب في حياة مصر خلال الحرب العالمية الثانية وقوات هتلر في العلمين.
وانتظم البرلمان المصري في جلسات يناقش محتوى الكتاب، وكانت الحصيلة طرد الزعيم عبيد وزير المالية والرجل الثاني في الوفد من الوزارة، وإبعاده كسكرتير للوفد.
يأتي الفساد من خلل في المنظومة الأخلاقية تتبخر منها الكوابح الأخلاقية وتتلاشى الحساسية بالشعور بالذنب، خاصة فساد الكبار والمليونيرية والقياديين الملوثة مشاعرهم، الذين يفتقدون جدار المناعة، وأكبر العناصر التي تقتل الحساسية الأخلاقية هي نزعة الطموحات سواء مالياً أو سياسياً أو امتثالاً لحب التفوق والقيادة، ومن انعدام القناعة وغياب الرضا بالمتوفر.
وإذا تواصلنا مع واقع الكويت، فأكبر عامل في فسادها يعود إلى عجز البيروقراطية الكويتية عن التدقيق في تفاصيل الصفقات، ومتابعة سلوكيات الموظفين ومراقبة تصرفات الذين قد يستفيدون من الحالة الاسترخائية، فيستغلون الوثائق وسرية المستندات لمصلحتهم، مع انعدام تطبيق لوائح المحاسبة وقاعدة الثواب والعقاب، مع تغوّل أيادي الواسطة، لاسيما البرلمانية منها التي تهب باندفاع قبلي أو فئوي أو لعامل انتخابي لتحصين المشكوك فيهم من اجراءات العقاب.
والحقيقة أن النظام البرلماني الكويتي يشجع النائب على التدخل في الشأن التنفيذي ليس لحماية المشكوك فيهم فقط، وإنما يصل حتى إلى المواقف السياسية داخلياً وخارجياً للتأثير عليها، مع لي ذراع من يلتزم بالقانون ويحمي مواد الدستور.
وأحقر منابع الفساد الكويتية أشارت إليه وزيرة الشؤون باكتشاف 59 محلاً محتواها 393 عاملاً تركهم الكفلاء، نظام الكفيل أكبر معاول الهدم في ترتيبات الأمن الداخلي، لا مفر من اصلاح المنظومة السكانية.
ورغم نشاط الهيئة العليا لمحاربة الفساد، وصلاحياتها، فلن تستطيع أن تصلح الكثير من مسلك الفساد الإداري والنيابي، ولن تقترب من المؤثرين العارفين بدروب الافلات من المحاسبة.
والمؤلم أن الفساد في الكويت لم يكتف بالمال والأراضي وتزوير الوثائق، وإنما تعدى إلى ميدان العلم والمعرفة، والتخصص العلمي والتكنولوجي وربما الطبي، فالشهادات المزورة وسرقة الأبحاث والادعاء بملكيتها حالة تتضخم، لأن الأيادي العابثة تجد منفذا تهرب منه بالوساطات الكبيرة والنيابية، وتنتهي الضجة الاعلامية، مع حفظ القضايا، الأمر الذي يغري المتردد ويشجع ملاك الضمير المختل.
والأمل عند سمو رئيس الوزراء الذي عليه فرض القانون بالوسائل المتاحة، وهي كثيرة من تحفيز الجهاز الاداري ليستيقظ بوجود مشرفين لا يتركون الأمر للاجتهاد، وإنما بفرض نظام وظيفي فيه متابعة وتدقيق ومحاسبة وعلنية الاجراءات.
وعلى سمو رئيس الوزراء أن يضع حروبه على الفساد في صدر أولوياته، ونتفق جميعاً على أن أثقال الكويت تتكاثر يومياً لأنها الآن أمام التحدي المستدعي للقرار النافذ وغير المألوف والنابع من فهم لطبيعة هذه التحديات محلياً وإقليمياً ودولياً، فمؤشراتها تنصح بأن العلاج يكمن في وصفة جريئة تخرج الكويت من نهج الاسترخاء.
&
