&&نبيـــل عمــــر

&حين قيل وقتها إن الناس خرجت إلى الشوارع غاضبة ثائرة على الرئيس حسنى مبارك فى ٢٥ يناير ٢٠١١، ردا على عملية التوريث الجارية على قدم وساق، كنا نضحك ساخرين: توريث الوظائف ثقافة مصرية عميقة، فكيف يتمرد المصريون عليها؟&نعم توريث الوظائف أصبح مرضا خطيرا، ربما أشد خطرا &من الإرهاب.. لأن الأرهاب حالة مؤقتة مرهونة بظروف داخلية وإقليمية ودولية متغيرة ويستحيل أن تدوم، لكن توريث الوظائف بات نمطا مترسخا فى تربة المجتمع، تقاتل من أجله فئات اجتماعية نافذة، وأصحاب مناصب مهمة، وجماعات لها ثقل فى دوران عجلة الحياة..

الإرهاب.. عدوان وعنف مؤقت.

توريث الوظائف..عدوان وظلم دائم.

وأذكر قبل سنوات أن رئيس &مجلس إدارة شركة قابضة قال على الملأ دون أن يهتز له جفن: إن الأولوية فى التعيين ستكون لأبناء العاملين! قال ذلك كأنه يخرج لسانه لروح المواطنة والفرص المتكافئة والمساواة التى يعض عليها الدستور بكل نواجزه، ولم يفسر ما الذى يميز أبناء العاملين عن بقية أبناء المصريين الذين ينتظرون فى طابور العمل فرصة يجب أن تستند إلى قيم الكفاءة والاجتهاد والمثابرة والمعرفة. تخيلوا معى لو أن باحثا هُماما انكب على دراسة عن التوريث، فى مؤسسة العدالة وهيئات التدريس بالجامعات وشركات البترول والكهرباء وقطاع البنوك والاتصالات على سبيل المثال، ماذا يجد؟ لن تكون مفاجأة أن عددا كبيرا من أبناء العاملين فى هذه القطاعات قد ورثوا وظائف أبائهم وأمهاتم وبعض اقربائهم بغض النظر عن درجات تخرجهم من الجامعات أو مهاراتهم الخاصة أو قدراتهم الفردية والمعرفية..ونقابلهم يوميا فى كل المؤسسات. وذات مرة قرأت نعيا فى الأهرام لـ«مستشار»، وماأكثرها، ورد به أسماء بناته الأربعة وكلهن فى مناصب متشابهة فى مؤسسة العدالة.. وفى رواية للكاتب الفرنسى اللامع أميل زولا &تدور &أحداثها فى القرن التاسع عشر، كان بطلها قاضيا فى مقاطعة ريفية، يعمل عنده كاتب حسابات يتابع كل أملاكه، وكاتب الحسابات متزوج وانجب ابنا لامعا اسمه روبين، غادر إلى باريس تعلم فيها، وعاد متفوقا بشهادة عليا فى الحقوق، وزار القاضى ليحدثه فى أمر تعينه فى محكمة المقاطعة.

فضحك القاضى وسأله: روبين..هل تود فعلا أن تكون قاضيا؟ رد روبين: نعم يا سيدي..إنه حلم حياتى وتفوقت من أجله.

قال القاضي: للأسف توجد وظيفة واحدة شاغرة..لكن أبنى «جاردنيل» تقدم لها وسوف أقبله. رد روبين: لكن يا سيدى جاردنيل كان معى فى الكلية وتفوقت عليه، وهو واسع الثراء ويمكن أن يشتغل ما يريد. &قال القاضي: لا.. أود أن يكمل جاردنيل مشوارى فى القضاء..إنه أفضل من غيره، تربى فى بيت كله معرفة بالقانون ورجاله..

رد روبين بوقاحة: هذا أدعى يا سيدى لاستبعاده، هو فشل فى التفوق مع أنه أمضى حياته بين القانون وأحكامه. غضب القاضى وطرد روبين قائلا: لولا أن أبيك خدمنى بإخلاص لحبستك فى القبو حتى تشفى من أفكارك الخبيثة. وخرج روبين وانقلب إلى مجرم منتقم.

المدهش أننى سمعت حوارا مشابها &قبل عامين بين وزير مصرى سابق وكاتب مرموق فى صالون ثقافي، تقريبا بنفس الكلمات. أذن نحن أمام مفاهيم حاكمة لفئات فى المجتمع، ترى فى توريث الوظائف حقا مكتسبا، مفاهيم باتت لا تعرقل أبناء البسطاء المستورين فقط فى الصعود الاجتماعى على سلم التفوق، وإنما أبناء الطبقة الوسطى الدنيا التى لا يشغل عائلوها وظائف لها حيثية. وبالقطع البيئة&التى عاش فيها الإنسان عنصر أساسى فى تكوينه النفسى والوجدانى والفكرى يستحيل تجاهلها، وسكان العشوائيات غير سكان الأحياء المنظمة، العشوائيات من بيئة وجيران ونمط حياة ومنظومة قيم تشد إى إنسان إلى القاع، ولو راجعنا مستوى التلاميذ فيها ونتائجهم فى المراحل التعليمية المختلفة، سنجد مأساة بكل المقاييس، بعضهم يقترب من نهاية المرحلة الإعدادية وهو لا يجيد القراءة والكتابة وعمليات الحساب..وهؤلاء أمرهم سهل لأنهم لا يتمتعون بالقدرات المطلوبة لوظائف لامعة لكننا نتحدث عن الذين يجتهدون ويعلمون أنفسهم وسط ظروف صعبة وهم كثر، فكيف نقطع عليهم طريق الترقى والصعود؟&

وعموما لم يعد التعليم ولا البيئة فى مصر يسمحان بإنتاج طه حسين جديدا، ولا سنهورى &جديدا ولا مئات الألاف من أبناء الفلاحين والفقراء الشرفاء الذين دخلوا الطب والهندسة والصيدلة والفنية العسكرية والاقتصاد والسياسة فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وربما جزء من ثمانينيات القرن الماضي، قبل الانهيار فى التعليم العام وانتشار العشوائيات فى كل ركن بمصر، والعشوائيات ليست مبان وجدران وتشوهات عمرانية، وإنما هى تصرفات وسلوكيات ونمط حياة مفروضة بالإكراه على من يسقط فى حبائلها.

وهنا عملت الطبقة الوسطى على الهروب بـ عيالها إلى التعليم الخاص بمستوياته المختلفة، حتى نما التعليم الخاص بصورة وبائية، وهو واحد من أزمات مصر، لأن التعليم فى كل الدول المتقدمة موحد وهو ماكينة صهر الصغار فى مرحلة النمو فى وجدان وطنى وقيمى مشترك، بينما يصنع تعدد نظم التعليم فجوات وجدانية وفكرية، وهى واضحة فى مصر بشكل كبير جدا. وكان &سوء التعليم واحدا من أسباب الفساد وتحوله إلى ثقافة عامة، فصغار الموظفين بحثوا هم أيضا عن الهروب بأولادهم من مدارس الحكومة، ولا يمكن أن تغطى مرتباتهم تكاليف هذا الهروب، فكان الفساد واللعب على الحبال وأشياء أخرى هى الحل! باختصار لم يعد تعليم الحكومة سلما إلى الصعود الاجتماعى كما لعب دوره فى تاريخ مصر، وكما هو الحال فى كل نظم التعليم فى دول الكرة الأرضية من اليابان إلى كندا، وأصبح مفرخة لشباب نصف متعلم ونصف فاهم، حتى لو تخرج من الجامعة، شباب لا يستطيع القفز على حواجزه الصعبة وعقباته الرهيبة &إلى فضاء التفوق إلا لصاحب إمكانات عقلية خاصة جدا، من الذين نصفهم ربنا عايز كده، لبيان قيمة العدل فى الدنيا! ثمة وظائف لها مواصفات خاصة أولها التفوق العلمى وليس الوراثة أو الرشوة من العائلات المقتدرة ثم السمات الشخصية والنفسية والاجتماعية للمتقدم لها، وحسب اختبارات علمية رصينة ليس فيها كوسة ولا كروت توصية، ويعمل بها فى العالم المتقدم، وهذه هى العدالة وهذه هى المساواة..حتى نحمى مصر من خطر هو أشد من الإرهاب.

&