بينما يتطلع كثيرون إلى «علم السياسة» لوقف التدهور الجاري في العلاقات الدولية، وإلى «علم الاقتصاد» لانتشال العالم من أزمة عاصفة شملت كورونا ثم أوكرانيا، لا يتطلع العالم بالقدر الكافي إلى «علم النفس» لأجل ترميم الخسائر النفسية الهائلة، الناجمة عن أزمة السياسة والاقتصاد.
لقد تدهورت نفسيّات العالم مع أرقام الضحايا ودراما الإغلاق، وبينما هبط منحنى المال والاقتصاد، صعد منحنى الاكتئاب والانتحار. حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن عُشر سكان العالم يعانون اضطرابات نفسية، كما أن أكثر من ربع المليار إنسان يعانون الاكتئاب. وحسب المنظمة أيضاً فإن هناك حالة انتحار في العالم كل (40) ثانية، وإجمالي عدد المنتحرين سنوياً يقارب المليون حالة، بينما تصل محاولات الانتحار الفاشلة إلى عدة ملايين. وفي بلد متقدم مثل بريطانيا فإن الانتحار هو السبب الأول للوفاة لمن هم دون الخامسة والأربعين!
ثمّة أسباب عديدة للاكتئاب والانتحار لا علاقة لها بالجائحة أو الحرب، فارتفاع أعداد المنتحرين المراهقين يعود إلى انشغال العائلة، وتعاطي المخدرات، والصحبة السيئة، وضغوط الأهل لأجل التفوق الدراسي، وكذلك التفاوت الطبقي بين شباب العائلات البسيطة وشباب العائلات الأكثر ثراءً، وهو تفاوت يمتدّ من المسكن والملبس، إلى السيارة والنادي، وإلى السهر والشواطئ.
لم تعد الأسرة قادرة على التربية النفسية الآمنة وسط هذه التحديات الهائلة التي يواجهها المراهقون. لقد فشلت العائلة والمجتمع في اعتماد «علم نفس المراهقة» لإنقاذ ضحايا جُدد من براثن عولمة قاهرة.. بلا قلب. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الانتحار يُعدّ السبب الرابع للوفاة بين البالغين في العالم!
لقد أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى مضاعفة الآلام لدى مئات الملايين من البشر، وبينما يقتحم اللصوص محالّ الطعام في عواصم أوروبا، فإن عدداً آخر من الناس لا يغادر المنزل، حيث يعانون العزلة والوحدة وتدهور المزاج، والاستسلام لليأس.
بالنسبة للمقبلين على الاكتئاب فإن الغرفة هى العالم، هى كل شيء للمكتئب، لا يريد أن يرى شيئاً خارجها، ونهاية العالم بالنسبة له تقع قريباً.. عند الباب!
إن الإحباط واليأس من تحقيق الهدف هو من طبائع البشر، وحتى الأنبياء والرسل يصيبهم اليأس من إيمان قومهم، وفي القرآن الكريم «حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَئَْسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا». اليأس على ذلك ليس نقيصة بل جزء من الطبيعة، ولكنه ليس اليأس الدائم أو اليأس الكلىّ، بل اليأس المؤقت واليأس المحدود، وهو كما أوّد أن أسميه «اليأس النسبي» أو «اليأس الجزئي»، وهو ذلك اليأس الذي لا يقطع الأمل ولا ينسف الرجاء، بل هو جسر محدود من الحزن، يصل ما قبله بما بعده.
في لحظات اليأس النسبي يجب أن يدرك الإنسان أنه في حالة مؤقتة، وأن الله رحيم بعباده، ولكل ضيقٍ مخرج، وأن العلم يجعل لكل أزمة حلاًّ، ولكل إخفاق رؤية. وفي القرآن الكريم يأتي الأمر الإلهي: «وَلَا تَاْئَْسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ».
يحتاج العالم إلى العلم والإيمان، إلى اليقين بأن بعد كل غروب شروق، ومن الظلام يولد الفجر، كما يحتاج العالم إلى العلم.. علم النفس الذي يرمّم الذات، وعلم الاجتماع الذي يرمّم المجتمع. اليأس النسبي طبيعة، واليأس المطلق خطيئة.
