مهما تهكم «البعض»، ومهما تنافست زلات اللسان على النيل من مترشح هنا وآخر هناك، من غير عليم ما هنا، أو غير حصيف ما هناك، الإ أن الانتخابات النيابية نوفمبر 2022 سوف تشهد سباقًا من حيث العدد لم تشهده انتخابات نيابية أخرى في البلاد، أصبح كرسي البرلمان جاذبًا وجذابًا، وأصبحت السلطة التشريعية محط أنظار المواطنين «متحزبين» أو مستقلين، أو بين بين.
أصبح المقعد وثيرًا للحد الذي تكالب عليه الشباب قبل الشياب، من هم في متقبل العمر قليلو الخبرة، ومن هم في عمر التقاعد ويبحثون عن وجاهة اجتماعية تعينهم على خريف الحياة، من يفهمون ويعلمون أن المقعد النيابي تكليف ومسؤولية، ومن يدخلون إلى المعترك بهدف شخصي بحت ولا يعرفون من العمل البرلماني سوف الصراخ والاعتراض على الحكومة، وتصفية الحسابات مع أقرب المتنافسين.
الانتخابات النيابية صورة طبق الأصل من حياتنا المعاصرة، تجد فيها كل شيء، ونضحك عليها مع أي شيء، ونكسب احترام العالم في جميع الأحوال، الانتخابات النيابية المعاصرة حالة الكترونية خالصة سوشيال ميديا إلى أقصى حد، فبدلاً من أن يخطب المترشحون ود الصحف والصحفيين، أصبحت الصحف هي التي تقدم اليهم الغالي والنفيس من أجل تغطية الحدث العظيم، واستقصاء أخباره، بل أن المترشح أصبح نجمًا صحفيًا مجانيًا فوق العادة، يستكتب «البعض»، وينشر عن نفسه ما يحلو له في الصحف التي فردت صفحات يومية تحت عنوان «الانتخابات النيابية».
لقد تبدلت الأحوال وبدلاً من أن يستغل المترشح النيابي صحيفة أو أكثر في تحقيق استباقي لنجوميته المنشودة ويدفع فيها الغالي والنفيس أصبحت الصحف هي التي تقدم كل ذلك إليه وعلى طبق من ذهب، وبالمجان.
صحيح أن المنافع المتبادلة والحالة الاقتصادية المتراجعة، وضيق اليد بالنسبة للكثير من المترشحين قد لعب دورًا في تأكيد هذه الحالة العامة الجديدة، ألا أن الصحيح أيضًا بأن الصحف قد فقدت رونقها الذي كانت عليه، ووجاهتها التي كانت تقدمها بأعلى الأسعار لمن يرغب في الوجاهة ويسعى إليها.
الصحيح كذلك أن تأثير الصحف قد تراجع كثيرًا كونها لا تحمل سوى وجهة النظر الايجابية فقط، وكأنه لا توجد لدينا سلبيات الإ أقل القليل من وجهات النظر التي تفرض نفسها في صحيفة أو اثنين، وإلا لو كانت الصحيفة تلتزم الحياد الإيجابي والتعايش «غير السلمي» في بعض الأحيان، وعندما يجلس الجميع فوق الصفيح الساخن للمرحلة، ويسعى أكثرهم سلامًا مع النفس إلى رأب الأصداع، ونبذ الانشقاقات والعيش في وئام مع أشد المتنافسين حدة واحتدامًا، ومع أكثر المترشحين حظوظًا بالفوز العظيم في المرحلة الاستحقاقية الراهنة.
الانتخابات على صفيح ساخن، والعد التنازلي الذي بدأت ملامحه تتشكل منذ أسابيع مضت، واللوحات الاعلانية التي تغطي شوارع المملكة جميعها - جميعها يكشف عن بساطة ووضوح في الشعار الرئيسي لكل مترشح، عن هموم الناس في كل منطقة، والمباشرة في طرح البرنامج الانتخابي، والابتعاد عن الغموض المخل دائماً بالحالة الخطابية للمترشح، أو بالعملية الانتخابية التي سادها الهدوء الذي لا يسبق أية عاصفة.
الانتخابات النيابية في نوفمبر القادم ستكون فوق العادة؛ لأنها جاءت بوجوه جديدة، ولأنها كرست آليات دعائية أكثر حداثة، وأنها تجنبت الاحتكاك المباشر بين المترشحين والمناظرات الخفية بين أصحاب العقائد المتناقضة.
ابتعدت المنابر عن المشهد، وقاطعت لجنة الانتخابات المنتمين لأحزاب أو جمعيات لم يسمح لها بالدخول في الجولة الراهنة بأمر القانون والحالة التشريعية المعتبرة المعمول بها منذ أكثر من استحقاق انتخابي مضى، لم يعد للأقنعة دور في تأكيد مترشح أو إلغاء آخر، صحيح أن اللجنة استبعدت البعض ممن كانوا يتمتعون بنجومية تجاوزت الحدود، وذهبت إلى البعد العربي وهي مدججة بالدعم والمال، والصداقات غير المنظورة، لكن الأكيد أن من تحفظت لجنة الانتخابات عليه نظرًا للاختلاف بين العنوان الذي يعيش فيه مترشح وذلك المسجل قديمًا لدى اللجنة، هو حق لا يراد به باطل، وأمانة كان يجب على المترشح أن يتحلى بها رغم ذهابه بوجه أكثر من مكشوف كي يقدم أوراقه الثبوتية التي لا تدل قطعيًا بالعنوان الجديد الذي يقيم فيه المترشح.
عمومًا حتى نرى لا بد أن تكون لدينا عينان فاحصتان لأنها أشياء لا تشترى، هي قيم لا بد من ترسيخها ووعي ينبغي تعميق قيمة الأخلاقية قبل تأكيد إذا ما كانت المعلومات عن المترشح صحيحة وسليمة أم أنها تعاني من التشوه والغموض وتعمد ارتكاب الخطأ.
انتخاباتنا النيابية ستظل دائمًا فوق العادة، ومملكتنا الحبيبة ستكون بعون الله وحفظه أجمل الممالك، وأغلى الأوطان وكل استحقاق وأنتم بخير.
