أنهى البيان الصادر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية التهويل الإعلامي الذي كانت تمارسه أوساط رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل بإصدار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مرسوم قبول استقالة الحكومة، في سياق الضغوط التي يمارسها من أجل تأليف حكومة وفقاً لشروطه.
من الأساس، أقرت أوساط قيادية في «التيار الحر» بأنّ التلويح بإصدار الرئيس عون مرسوماً كهذا حدوده الضغط الإعلامي ولذلك لم يصرّح أحد بنيّة القيام بهذه الخطوة، التي تؤكد المؤكد كون الحكومة مستقيلة دستورياً، وصدور المرسوم لا يمنعها من تصريف الأعمال. كما ترى أنّ طلب باسيل من الوزراء المحسوبين على «التيار» أن يمتنعوا عن تسيير أعمال وزاراتهم، وعن حضور الاجتماعات التي يترأسها ميقاتي، جزءٌ من الضغط للحصول على مطالبه في الحكومة.
وهذا ما دفع الأوساط القيادية إلى اعتبار ما جرى التداول به إعلامياً حول قبول استقالة الحكومة مجرّد تهويل، يعود لاقتناعها بأنّها بدعة، فيما رأت سائر الأوساط السياسية أنها وسيلة لإسقاط مادة من الدستور تحدد مهمة تصريف الأعمال لحكومة «تُعتبر مستقيلة»، خلافاً لنية المشترع. فهو صاغ هذه المادة تحسّباً للحؤول دون تعطيل انتظام المؤسسات في مرحلة انتقالية. والمبدأ ينطبق على الشغور الرئاسي وضرورة ملئه بسرعة.
الدوامة العبثية تقوم عند بعض أصحاب العقل الجهنمي، على التسبب بالفراغ الرئاسي، والفراغ الحكومي من أجل البناء عليهما لخلق فوضى غرضها مقايضة انتقال السلطة وإعادة تكوينها. فإما يبقى هذا الفريق حاكماً بالواسطة أو شريكاً بالإكراه، بعدما انتهت صلاحية إمساكه بالقرار، حتى لو اعتمد قاعدة لا قيامة لحكم من بعده.
مع ذلك ثمّة من يعتقد أنّ لعبة عض الأصابع في الربع الساعة الأخير قد تنتهي بتأليف الحكومة، بعد استنفاد الضغوط المتبادلة طالما سلّم فريقا التنازع، الرئيس نجيب ميقاتي وباسيل، بمبدأ تغيير 3 وزراء مسلمين مقابل 3 مسيحيين من الحكومة الحالية. وساطة «حزب الله» واللواء عباس ابراهيم علِقت عند رفض باسيل منح الثقة (رغم أخذ ميقاتي ببعض مطالبه)، وامتناعه عن تسليم أسماء الوزراء البدلاء لميقاتي بل لعون، مقابل طلب ميقاتي تغيير وزير الطاقة وليد فياض بدلاً من نجلا رياشي عساكر.
الذين لا يستبعدون خرقاً في اللحظات الأخيرة يرون أن مسألتيْ منح نواب «التيار الحر» الثقة للحكومة، وتسليم الأسماء لميقاتي، وتراجع الأخير عن مطلب تغيير وزير الطاقة، هي تفاصيل يسهل حلها، إذا كان هناك قرار حاسم بالتأليف، يقتضي من «حزب الله» الضغط على حليفه باسيل، بعدما أحرج ميقاتي وتضرر في أوساط المراجع السنية وجمهورها، من مسايرته باسيل على حساب رئيس الحكومة.
تبقى أيام قليلة لاختبار ذلك. لكن إذا وُجدت جدية في تأليف الحكومة يكون الهدف إطالة أمد الفراغ. وإذا تعذّرت الحكومة وتسبب ذلك بفوضى دستورية سيكون الوضع ضاغطاً شعبياً ودولياً لتسريع إنهائه، ما يبرر إطلاق رئيس البرلمان نبيه بري، تحركه منذ الأول من تشرين الثاني أو في اليوم التالي، حول الدعوة إلى اجتماع حوار وطني للتوافق على الرئيس، تتوقعه منه العواصم الكبرى المعنية، التي مارست وستمارس ضغطاً في هذا الاتجاه. وسينضم الفاتيكان إلى هذا الضغط، بالتنسيق مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار الكرسي الرسولي أمس، فيما سيوفد البابا فرنسيس رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري، الواسع الاطلاع على أزمة لبنان.
شغور الرئاسة، من دون حكومة، يمنع استنكاف وزراء «التيار» عن تصريف الأعمال، لأنهم سيكونون ملزمين بتسيير أمور وزاراتهم لئلا يتم تكليف غيرهم من الوزراء بها، ولتأمين الحضور المسيحي في السلطة في ظل غياب ممثل المسيحيين على رأس الدولة، لئلا يتهموا من الوسط المسيحي بالإخلال بدورهم. هذا على رغم أنّ بعضهم كان أبلغ باسيل أنه لا يمانع تبديله في أي حكومة جديدة، ومنهم وزير الخارجية عبد الله بوحبيب. فالأخير يعتبر أنه لم يعد هناك من مهمة حرزانة يقوم بها بعد أن نفذ خلال توليه الحقيبة، القضايا الجوهرية المنوطة بها وأولاها اشتراك المغتربين في الانتخابات النيابية، والمشاركة في مفاوضات الترسيم، فضلاً عن التواصل مع الدول العربية بالحدود المتاحة من خلال الجامعة العربية، وطرح قضية عودة النازحين السوريين في المحافل الدولية بتجاوب من رئيس الحكومة، التشكيلات الدبلوماسية التي كانت مطلباً لفريقه، والتي لم ترَ النور... واعتبر بوحبيب أن بقاءه لم يعد نافعاً، في وقت اضطره الوضع المالي إلى خفض رواتب سفراء نقموا عليه.
لكن الخروج من الحكومة في ظل وجود رئيس شيء، وممارسة الدور الوزاري بدءاً من 1 تشرين الثاني في حال الفراغ ومن دون حكومة جديدة، شيء آخر. إذ سيكون الاستنكاف تخلياً عن تمثيل موقع الرئاسة وتسليماً بتولي ممثلي الطوائف الأخرى سلطاتها.
الحكومة تطيل الفراغ و"تصريف الأعمال" تُقصِّره
هذا المقال يحتوي على 656 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
