لا يعني استمرار المناورات من قبل الفرقاء المعنيين بإنهاء الفراغ الرئاسي وعجز الكتل النيابية التي يفترض أنّها متقاربة في إطار «السياديين» و»التغييريين»، وكذلك الكتل المتحالفة في إطار الممانعة مع «التيار الوطني الحر» عن الخروج من خيار الورقة البيضاء، سوى أنّ البلد في حالة انعدام الوزن على الصعد كافة.
يتساوى العجز الخطير عن معالجة الانهيار الاقتصادي المتصاعد مع ارتفاع سعر الدولار مع العجز الفاضح عن انتخاب رئيس للجمهورية. وتتساوى الوعود بالمعالجات للأزمات المعيشية والصحية المتفاقمة مع المناورات التي يبتدعها بعض رؤساء الكتل النيابية في شأن انتخابات الرئاسة من دون ظهور أي ضوء لنهاية النفق الرئاسي المظلم.
وسط غلبة التوقّعات بأنّ الأزمة الرئاسية ستبقى جاثمة فوق صدور اللبنانيين لأشهر مقبلة وليس لأسابيع، لا تعدو نتيجة التحركات القائمة تحت عنوان إنهاء الفراغ الرئاسي، أو إقرار الإصلاحات المطلوبة على الصعيد الاقتصادي، إلّا كونها محاولات لإلهاء اللبنانيين عن الحلول أو المخارج الفعلية للتأزم الذي يعيشونه. يتم ذلك كل يوم بإشغال الناس بتسريبات أو أقاويل لصرف الأنظار عن الواقع المرير الذي يعيشونه ويزداد سوءاً.
المتّهمون باستمرار الفراغ الرئاسي هم أكثر الداعين إلى انتخاب الرئيس في سرعة، لكن وفق شروطهم ومقاييسهم. هذه هي حال «حزب الله» بإصراره على مواصلة إفقاد البرلمان النصاب للحيلولة دون فرز الكتل النيابية على أساس الخيارات السياسية وفقاً لمعايير كل فريق لهوية الرئيس. فـ»التوافق» الذي يريده الحزب هو تسليمٌ من قبل سائر الفرقاء بالرئيس الذي يريده، أي استدراج أصحاب وجهات النظر المخالفة للموافقة على مقاييسه حيث ينتفي التوافق ويصبح إذعاناً. وهو موقف يخالف استنتاجات البعض بأن الحزب اكتشف أضرار خياراته السابقة في الرئاسة حين فرض العماد ميشال عون بقوة التعطيل ومنع النصاب منذ منتصف عام 2014 حتى خريف عام 2016، فدفع جمهوره فاتورة الانهيار مثل سائر اللبنانيين.
فلو كان توصّل فعلاً إلى هذه القناعة لكان تصرّف حيال الفراغ الراهن في رئاسة الجمهورية بشكل مختلف، ولكان سعى إلى تسوية حقيقية مع الفرقاء الآخرين حول الخطوات السريعة المطلوبة، بدلاً من الحؤول دون أن تأخذ اللعبة السياسية اللبنانية مداها. فالتسوية تتمّ بتنازلات وليونة من الفريقين تأخذ في الاعتبار تمكين الدولة من أن تستعيد بعض مقوّمات وجودها، مع ما يتطلّبه ذلك من احترام التوازنات الطائفية والسياسية والإقليمية الدقيقة التي من دونها يصعب أن تنهض من الحفرة التي هي فيها.
يسقط بعض الفرقاء في وهم حصول التسوية على أنها مجرد توزيع للمناصب بين أفراد، مثل تلك المعادلة التي سعى بعض الجهات إلى ترويجها أخيراً، تارة بالحديث عن معادلة تقضي بأن تكون الرئاسة الأولى لفريق الممانعة، والرئاسة الثالثة لشخصية تنتمي إلى معسكر المعارضة. هذا ما أوحت به أفكار من نوع «سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية والقاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة»، في وقت الأمر غير مطروح على هذا النحو سواء بالنسبة إلى القاضي سلام أم بالنسبة إلى القوى «السيادية» و»التغييرية». وفضلاً عن أن التسوية حول الاستحقاق الرئاسي لا تقتصر على الشخص أو الأشخاص بل على الخيارات السياسية الداخلية والإقليمية خلال السنوات الست المقبلة، فإن منطلق طرح معادلة فرنجية – سلام عند من أطلقوها هو إيهام الفريق المعارض بأنه حصل على تنازلات، من جهة، بينما الهدف هو محاصرة رئاسة الحكومة مجدداً بين الرئاستين الأولى والثانية لتكبيلها وتطويعها، من جهة ثانية.
المطلوب هو العكس، بالنسبة إلى القوى الخارجية التي طرحت فكرة السلة، أي الرئاسة الأولى ورئاسة الحكومة والحكومة بحيث يتمتّع الفريق الحاكم للمرحلة المقبلة بقدر من حرية الحركة وبثقة المجتمع الدولي بأن يحول دون تحويل البلد إلى منصة عداء للدول العربية، لتشجيع الدول، لا سيما السعودية ودول الخليج، على تقديم المساعدة له.
رغم وجود صعوبات كثيرة أمام إنجاز اتفاق السلة هذا، فإنّ أصحاب الأوهام سارعوا إلى السقوط في فخ المناورة والمعادلة التي طرحت، فسعوا إلى تشويه صورة القاضي سلام، من دون أن يكون في موقع من تلقّى عرضاً، أو في موقع من يطمح إلى عرض، بالتسريبات عن أنه التقى رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل من أجل رئاسة الحكومة في وقت نفى ذلك بالكامل. فباسيل يُنظر إليه على أنه محرقة كونه العائق الأساسي أمام الإصلاحات وخياراته تحول دون إعادة العلاقات إلى سابق عهدها مع دول الخليج.
الأوهام، التي باتت جزءاً من لعبة الإلهاء عن واجب انتخاب رئيس للجمهورية، أخذت البعض نحو محاولة إفقاد القاضي سلام الصدقية لدى دول الخليج وتجريده من رصيده في الأوساط السنية، وإظهاره أمام الجمهور العريض المعارض، على أنه مُنبطح من أجل الوصول إلى رئاسة الحكومة، في وقت هو ليس من الساعين إليها.
الإلهاء عن الفراغ وتشويه صورة سلام
هذا المقال يحتوي على 663 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
