عام 2023 سيبلغ الرئيس الصيني شي جينبينغ سن السبعين. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلغ السبعين السنة الفائتة. الرئيس الأميركي جو بايدن عمره ثمانون سنة. أما الرئيس الأسبق دونالد ترامب فإنه سيبلغ هذه السنة سن السبعة والسبعين.
الأصغر سناً بين هؤلاء الرجال هو الرئيس الصيني الذي حقق السنة الماضية إنجازاً تاريخياً، ليس فقط بإعادة انتخابه رئيساً للصين في سابقة، وإنما أيضاً لأنه رسّخ ثبات بلده وعزّز قيادته القاطعة- فهو إذاً في "أمان" من الانتخابات ومن الانزلاقات الداخلية لأن "البولتبيرو" والمؤسسة العسكرية معه وهو لها، لكنه يواجه أزمات من نوعٍ آخر أبرزها اقتصادية. الرئيس الروسي في أزمة شبه وجودية لأن مصيره مرتبط بحرب روسيا في أوكرانيا والتي يرأسها فولوديمير زيلينسكي الذي سيبلغ سن الـ45 هذا الشهر، ولأن الانتخابات الرئاسية في روسيا ستتم عام 2024 ما يعني أن عام 2023 حاسم جداً لمستقبل فلاديمير بوتين. أما الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024، فإن الحملات الانتخابية لها تنطلق اليوم وسط انقسامات حادة داخل كل من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، وبالطبع، بين الحزبين. سن كل من السيد جو بايدن والسيد دونالد ترامب أمر مهم للأميركيين لا سيّما لجيل الشباب لكنه لا يبدو أمراً حاسماً داخل صفوف فريق بايدن وفريق ترامب. فكلاهما عازم، كما يبدو، على إعادة انتخاب مرشحه رئيساً رغم سنّه. من ناحية، إن عدم التمييز ضد التقدّم بالسن جميل، لكن الحيوية ستدخل عنصراً لا يُستهان به في الحملات الانتخابية التي تمتحن القدرة على التحمّل جسدياً وذهنياً في ظل الإرهاق. العالم بأسره يتأثّر بما يحدث للرؤساء في واشنطن وبيجينغ وموسكو- لذلك نبالي.
هذه السنة ستكون سنة الاستعداد والتأهب. انه عام اللااستقرار الذي يزداد تأزماً، طالما الحرب الأوكرانية لم تنحسم، وطالما إيران غاضبة بسبب تطوراتها الداخلية وخيبة آمالها بالمحادثات النووية التي كانت ستنتشلها من العقوبات. ثم هناك إمكان المفاجآت المرعبة من كوريا الشمالية. وهناك، بالطبع، الاقتصاد العالمي الذي يبقى غامضاً، عائماً بين مختلف التنبؤات بالركود الاقتصادي وبين التطورات الجيوسياسية. وهنا تبرز مجدّداً أهمية مصير هؤلاء الرجال: بايدن، بوتين، وترامب، انتخاباً وقيادةً، حرباً وسلماً واستقراراً. فوحده شي جينبينغ يبدو ثابتاً في منصبه بين هؤلاء الرجال الذين ينظرون الى سن السبعين وكأنه أربعون.
شيخوخة مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي سيبلغ 84 عاماً هذه السنة أمرٌ يراقبه الجميع نظراً الى أهمية خلافته في مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية. صحته تتدهور، وكذلك صحة النظام الذي غيّر وجه المنطقة عام 1979 والذي كلّف إيران غالياً وأعادها الى الوراء أضعاف العقود والسنوات. فرغم تباهي النظام بتطورات إيران النووية والصاروخية والعسكرية، لم تفلح الثيوقراطية بنشر الاستقرار والازدهار للشعب الإيراني، وإنما هو ينتفض ضد النظام احتجاجاً على القهر والإهانة والجوع والاستبداد.
وسط شيخوخة الحكم في طهران، تبرز القيادة الشابة في دول الخليج العربية بدءاً بولي العهد السعودي محمد بن سلمان 37 سنة، وأمير قطر الشيخ تميم بن محمد آل ثاني 42 سنة، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد سيبلغ سن الـ62 هذه السنة. تواصل هؤلاء القادة مع جيل الشباب في بلادهم اليافعة له تأثير كبير في عملية بناء المستقبل وفي النهضة المذهلة التي تمر بها البلاد وسط أجواء الازدهار والاستقرار الذي يبقى مرتبطاً بالتطورات في الجيرة الخليجية، بالذات بما يحدث في إيران.
انها سنة الغضب للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يقول قادتها. سنة إبراز العضلات وتذكير العالم بأن إيران لن تقبل أن ترضخ للضغوط وأن لديها أدوات نووية وصاروخية وسياسية وأمنية ستستخدمها كي تفرض نفسها وكي لا تُنتسى.
فحكام طهران أفرطوا في توقعاتهم من مباحثات فيينا لإحياء الصفقة النووية، وتلقوا خيبة الأمل بعدما اصطدموا بحائط الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ظنوا أن بوسعهم تخطيها. حكام إيران في حاجة لتحويل انتباه العالم بعيداً عما يجري داخل إيران من احتجاجات ظنوا خطأً أنها ستكون عابرة ومحدودة وأن القمع سيستأصلها.
فإما تنجح محاولات تحويل الأنظار عن الداخل الإيراني من خلال إعادة إحياء مباحثات فيينا- الأمر الذي يبدو مستبعداً جداً الآن، أقله في النصف الأول من هذه السنة. وإما يضطر حكام طهران الى إيجاد وسائل أخرى لتحويل الأنظار بعيداً من الاحتجاجات وللتعبير عن غضبهم، مثل المواجهة مع إسرائيل ومثل الاستفادة من شراسة وعنجهية رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة التي تصنع بمواقفها نواة انتفاضة جديدة لعلها تكون مسلّحة، بل لعل طهران تقرّر لها أن تكون انتفاضة مسلّحة.
مباحثات فيينا كانت قد قيّدت أيدي حكام طهران وكبحت قليلاً شهيّة "الحرس الثوري". اليوم، يرى بعض رجال الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنهم تحرّروا من قيود الانضباط الذي فرضته عليهم مباحثات فيينا. الأدوات النووية تبقى في طليعة أدوات التخويف وإبراز الغضب، الى جانب الأدوات الإقليمية. لذلك، فإن الجميع يخشى غضب طهران وإعلان تحوّلها الى دولة نووية كأمر واقع عبر زيادة تخصيب اليورانيوم. ذلك أن مثل هذا التطوّر سيعني فتح أبواب الحرب التي لا يريدها أحد، ويخشاها الجميع.
كيف تموّل إيران طموحاتها النووية والإقليمية وهي وسط أزمة اقتصادية تعاني من العقوبات؟ تقول المصادر الروسية إن لدى طهران وفرة من المال الناتج من توسيع العلاقات مع روسيا، النفطية والتجارية، و... الأوكرانية.
تلك الحرب الأوكرانية التي لها معالم الاستمرار لهذه السنة مع تطورات ميدانية هجومية قد تكون نقطة التحوّل في مسيرة الحرب. فلقد فشلت جميع الجهود الرامية الى وقف النار وإيقاف النزيف. فاتت الفرصة بسبب انتصار صفوف العسكر على صفوف السياسيين، وانتهت آمال التفاهمات بانتهاء عام 2022. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوضح أن روسيا مصرّة على انتصار مرئي لها في أوكرانيا، وأنها لن تتخلّى عن "تحرير" دونباس وزابوريجيا وغيرها من مناطق عنفوان روسيا في أوكرانيا. وما يتوقعه الخبراء العسكريون هو شن الجيش الروسي عمليات هجومية ضخمة ستكون نقطة فاصلة، في حال نجحت أو فشلت. ستكون فاصلة للرئيس فلاديمير بوتين.
إنها سنة امتحان وجودي لرجل الكرملين القوي الذي يكره أن يبدو ضعيفاً. يكره أن يفوز الغرب وحلف شمال الأطلسي (ناتو) في الحرب الأوكرانية وأن ينتصر على روسيا وعليه. يكره أن يحصد الرئيس جو بايدن ما زرعه في الحرب الأوكرانية لمصلحته انتخابياً لا سيّما أن الكلام يزداد عن ضربات عسكرية داخل روسيا.
فإعادة انتخاب فلاديمير بوتين رئيساً عام 2024 تعتمد كليّاً على ما زرعه هو في أوكرانيا. أما إعادة انتخاب أيٍّ من المرشحين المفترضين للرئاسة الأميركية فإنه يعتمد على عدّة أمور، من بينها الحملة الانتخابية وفريق كل منهما الذي ينوي الانطلاق مطلع هذه السنة.
دونالد ترامب يبدو واثقاً بأن لا بديل منه لدى الجمهوريين رغم مشاكله المتراكمة ورغم صعود شعبية حاكم فلوريدا رونالد دي سانتيس، وعمره 44 سنة. ما يدور في كواليس حملة دونالد ترامب يبدو وأنه محاولة تسويق لـ"ورقة رابحة" تقوم على الرئاسة "للدونالد" وموقع نائب الرئيس "للرونالد". المهم، أن لا مؤشر هناك الى استعداد ترامب للتخلّي عن طموحات الرئاسة، بل أن فريقه يراهن على دعم 60 في المئة من الحزب الجمهوري له، في اعتقادهم.
يراهن الفريق على عدم انشغال ترامب للسنة المقبلة سوى بالحملة الانتخابية، فيتحرك من منبرٍ الى آخر بنشاط وزخم فيما مرشح الديموقراطيين المفترض مقيّد بإملاءات الرئاسة ومتطلباتها، كما بظهوره مثقلاً بسنواته الثمانين. ما سيسعى فريق ترامب للاستفادة منه يشمل أخطاء إدارة بايدن في أفغانستان، لا سيّما أن "طالبان" تكشف عن وجهها القبيح بمنعها النساء والفتيات من العلم والعمل. فهذه ذخيرة في أيدي فريق ترامب ضد فريق بايدن الى جانب الحملة التي ينوي شنّها ضد ابن الرئيس هنتر بايدن بتهمة الفساد، وضد الرئيس بايدن وسياساته الاقتصادية.
ما يبدو أن فريق الحزب الديموقراطي قد عقد العزم عليه هو إعادة ترشيح جو بايدن للرئاسة رغم سنّه وخيبة أمل اليسار في الحزب الديموقراطي مما يعتبره وعوداً لم يُنفذها بايدن الذي تحرك أكثر الى الوسط بدلاً من استرضاء اليسار. حتى الآن، ليس هناك في الأفق مرشح ديموقراطي آخر في ذهن الفريق الانتخابي الديموقراطي. نائبة الرئيس كمالا هاريس (58 عاماً) تبدو مُستبعَدة جداً عن منصب الرئاسة، كقرارٍ للفريق الديموقراطي. هناك من يعتقد أن كمالا هاريس قد تُرِكت بلا فريق عمداً، وهناك من يعتقد أن ضعفها شخصياً هو العنصر الذي استبعدها.
لا حسم في هذه الأمور في الربع الأول من هذه السنة، لكن المعارك الانتخابية بمختلف أوجهها وأمكنتها ستنطلق. الاقتصاد سيتربّص للسياسة والسياسة ستتربّص للاقتصاد. فالدبلوماسية قد تعسكرت. الحرب الأوروبية ما زالت واردة. الخطر النووي لم يُحذَف عن الطاولة. ورغم كل هذا، لنرفض الخضوع للتشاؤم والتخويف والإحباط. مرة أخرى، الإحباط ممنوع والمهم ألا نخاف.
الشباب والشيخوخة في القيادات الأميركية والروسية والصينية والخليجية
هذا المقال يحتوي على 1254 كلمة ويستغرق 7 دقائق للقراءة
