عنوان المقال مقتبس، وما كان بإمكاني أن أفكر في عنوان أفضل، ولكن الاقتباس من نفس موضوع المقال، وهذا يعطي المقال مساحة من شرعية الاقتباس، والعنوان هو زبدة المقال.. ستة أجزاء من سلسلة كتب تحت عنوان «وجوه في مصابيح الذاكرة» بقلم الأستاذ والصديق إسحاق الشيخ يعقوب، الذي جمع قلمه بين الإبداع الأدبي بتجلياته البلاغية وخيالاته الجمالية وصيغه الشعرية وهو بهذه الملكة أديب بامتياز.. والكيمياء الفكري بكل عناصره الفاعلة والمتفاعلة وما ينتج عنها من إرهاصات فكرية، بداياتها استمرار لتاريخ من الأفكار وعجلتها على مسار الزمن لا غناء الحاضر والتهيئة للمستقبل وهو بهذا الكيمياء المتجدد مفكر يتميز بنهج فكري تقدمي ينظر إلى الأمام ويثابر من أجل مستقبل إنساني زاهر.. والتفاعل السياسي - الاجتماعي، حيث إن السياسة هي الساحة التي يتجادل عليها الأدب والفكر.. والمبتغى تحقيق القيمة الإنسانية للإنسان، وهو أمل ورجاء بعد ما زال في طور مخاض، والمخاض طويل يقتضي الصبر والثبات والإصرار.

ثلاث منارات لها دعائم ضاربة في عمق الروح الإنسانية.. المنارة الأدبية والمنارة الفكرية والمنارة السياسية - الاجتماعية. هذه المنارات الثلاث تسلط الضوء على كامل الخريطة البشرية لكي تنتقي من بينها رموزًا بارزةً لها دورها المحسوس والمحسوب، عبر التاريخ من الماضي إلى الحاضر، وهي تغطي مجمل الساحات التي يعمل ويتفاعل عليها وبين جنباتها الإنسان، من أجل الاستنارة بتجاربها الشخصية في معترك الحياة، وهي حياة محملة بالمتناقضات والمنسجمات على ساحات العلم والفكر والأدب والفن وحتى التجربة الفردية المحصورة في إطار الإنسان بين الأسرة والعمل وبعض من المشاركة الاجتماعية.. هذه الرموز، البارزة منها والخفية، هي وجوه حاضرة في ذاكرة حية تبحث عن المزيد لإغناء الذاكرة، وهذا هو المعنى الذي نستشفه من العنوان «وجوه في مصابيح الذاكرة» الذي اختاره المؤلف لسلسلة كتبه الستة، وهي أقرب إلى الموسوعة.. يتحسس المؤلف في الشخصيات ملكاتها الذاتية وطموحاتها الموضوعية، بين الأنا والمجتمع وما يجمعهما، ويستشعر موضعه بينها، فمنهم من هو على وفاق فكري، ومنهم من هو على خلاف فكري.. لكنه لم يحصر خياراته للشخصية على قاعدة التوافق الفكري، بل على الاختلاف والتناقض الفكري كذلك.. وهذا يذكرني بمقولاته التي تتفق مع النهج الجدلي مؤكدًا على واقعيتها، عندما كنا نلتقي ونتبادل الأفكار، فكان يقول، على سبيل المثال وليس الحصر، «المطلق ليس مطلقًا في كليته بل أن فيه شيء من النسبية.. وكذلك النسبي ليس نسبيًا في كليته بل إن فيه شيئًا من المطلق»، وبهذا الاستنباط الجدلي كان يفتح باب النقاش وتعاطي الأفكار بين الاتجاهات الفكرية المختلفة وحتى المتناقضة. رغم هذا التفاعل بين الأفكار المختلفة والمتناقضة، إلاّ أن هناك نماذج من الأطروحات السائدة، مثل العنصرية والطائفية والشوفينية، فإنه لا بد من عرضها فكريًا من أجل فضحها وليس الدخول معها في حوار فكري؛ لأنها أطروحات سياسية إقصائية مغلقة على ذاتها ولا تخدم قضايا الإنسان بل تؤججها وتسير عكس اتجاهها.. ونماذج من شخصيات تتبنّى هذه الأطروحات السلبية لم يغفل عنها أديب النضال والإنسانية اسحق الشيخ يعقوب في سلسلة «وجوه في مصابيح الذاكرة»، بل أدرجها في موسوعته التنويرية كي يوضح الفارق الإنساني والجوهر الفكري بين النور والظلام.

«يتسرب إليك كالمزن رقراقًا عذبًا صافيًا.. فتتماشى روحك بروحه.. ويمتلك بملكته الإنسانية.. فتصبح أنت هو.. ويصبح هو أنت.. وحدة «الأنت» و«الهُوَ» إذا توحدت في نسيجِ ذاتٍ واحدة.. وتفجرت منابعها الإنسانية من أجلِ جميلِ قادمِ الوطن.. تورق الحياة وتتبرعم السعادة في عروق الأرض وتتورد وجنات الأطفال.. وتنتشي النفوس بعطر النساء وزغردة العصافير!».. المجلد الأول صفحة 124 «50- خليفة».. أدبيًا، النص يبرق بروعة التعبير والبناء البليغ والخيال الجميل.. وفكريًا، الروح الإنسانية بكل لطفها ونعومة محاسنها وسمو مقامها جلية.. وسياسيًا، الوطن هو الحب والمبتغى والتضحيات الكبرى.. كلمات هذا النص الأدبي البليغ يفتتح بها مقالته عن إحدى الشخصيات الحاضرة في ذاكرته الحية وهذا هو أسلوبه البليغ في فتح باب التعريف بالشخصيات التي تعذي سلسلة الكتب، والتي قد يعرفها قلة، وهي من المكانة والأهمية الفكرية والإنسانية وما جادت به جهوده النضالية والإنسانية أن يعرفها أكثر الناس؛ لأنه من الأهمية بمكان معرفة النخبة المتجددة التي حملت على كاهلها هموم الناس والتزمت بالعمل، الفكري والفعلي والتفعيلي، من أجل إحقاق الحق للناس وتنوير الطريق أمامهم وتهيئتهم للتقدم إلى حيث الكرامة محفوظة مصونة.. وكذلك لكشف الغطاء عن شلة، تتسم بأنانية مفرطة، ممن يسلكون المسار المعاكس للحق الذي هو ثمرة الطبيعة لكل كيان حي وليس فقط الإنسان.

«وجوه في مصابيح الذاكرة» مشروع أدبي - فكري - سياسي يستخلص من الذاكرة الحية تلك الرموز البارزة، ومشروع بهذا البعد المتوالي الذي يجمع بين الإنسان والتاريخ وأنشطة الإنسان الملازمة للإنسان في حاجة إلى نهج موسوعي حي لا يقف عند الحدود التي يرسمها المدى العمري أو الحياتي المحدود لصاحب المشروع؛ لأن هذا المشروع له سمة موسوعية يقتضي الاستمرار في إغنائه بالتحديث المتواصل والمستمر.. هناك نوعان من المشاريع الموسوعية.. نوع معرفي بحت مثل الموسوعة البريطانية المشهورة Britannica Encyclopedia، وهو مشروع مؤسساتي، ونوع أدبي وتنويري، وعادة ما تكون هذه الموسوعات من مبادرات فردية من قبل مفكرين ملتزمين بقضايا الإنسان، مثل موسوعة الفيلسوف دنيس ديدرو وهو أحد قادة حركة التنوير رئيس تحرير أول موسوعة حديثة، إنسايكلوبيدي Encyclopédie، وموسوعة الدكتور جواد علي «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام».. النوع المعرفي يقوم المشرفون عليه بتحديثه بين فترة وأخرى حسب المستجدات والتطورات على مدار الزمن، بينما النوع الأدبي - التنويري ولأنه مشروع فردي فإنه يبقى محصورًا في الإطار الزمني للمؤلف والذي هو صاحب المشروع الموسوعي.

الأجزاء الستة من مسلسل «وجوه في مصابيح الذاكرة» ترقى إلى مستوى موسوعة، ولأنها ذات طابع تنويري فإنه حي بطبيعته ومن الأولى والأجدر لهذه الموسوعة أن تجد لها سبيلًا إلى التحديث، ويجري بين الناس مجرى الأنهار وليس سكون البحيرات.. الموسوعة تنتظر قلمًا شابًا ملتزمًا تغذى من روح المؤلف المبادر الأصيل، وتربى على نهجه الذي يجمع بين الأسرة والمجتمع والوطن والالتزام الفكري والنفسي بقضايا الإنسان من أجل إنسانية أرقى.. واللبيب بشمعة الإشارة يفطن ويتحفز ويبادر بمسك بالقلم.. وهكذا من جيل إلى جيل تشع أنوار «وجوه في مصابيح الذاكرة».