لا نعرف نحن العرب، ويكاد تعدادنا يقترب من نصف المليار، تسمية أخرى للسان البحري المحصور بين الجزيرة العربية من جهة الغرب والتي تضم المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة قطر، ومن الجهة الشرقية إيران ويمتد من عمان في الجنوب إلى الشمال عند حدود العراق الجنوبية ودولة الكويت، غير تسمية الخليج العربي، وهي التسمية ذاتها التي تعتمدها أكثر من دولة وتوثقها مصادر عديدة قديمة وحديثة.
أما «الخليج الفارسي» فهي تسمية ساكنة فقط في الذهنية التوسعية لملالي إيران لا نسمع صدى لها إلا لمامًا وخصوصًا عندما تضيق الحال الأمنية للنظام الحاكم هناك، أو أنه يستشعر موقفًا عربيًا موحدًا يهدد هيمنته السياسية في بعض البلدان العربية كحراك العراقيين إبان «خليجي 25».
دول عربية ثمان تضم أعدادًا من العرب يزيد على 44 مليون نسمة إضافة إلى ما يقطنها من العاملين الأجانب لا يعرفون سوى مسمى الخليج العربي اسمًا لبحر الخليج. وفي مقابل ذلك ليست إيران في الحقيقة غير مجموعة من القوميات، من ضمنها القومية العربية أيضًا، تتساكن جميعها على أرض إيران، ويشكل الفرس منهم نسبة لا تزيد على 20% لا تقطن قرب مياه الخليج، ونجدها مع ذلك تحتج على العرب رافضة إطلاق مسمى الخليج العربي على خليج سيبقى عربيا رغم أنف إيران ومزاعمها. آخر الاحتجاجات الإيرانية البائسة والرخيصة والمضحكة في آن رسالة الاحتجاج «الدبلوماسية» التي دفعت بها إلى الحكومة العراقية بسبب وجود مسمى الخليج العربي في النسخة الخامسة والعشرين من بطولة دول الخليج العربي.
شخصيًا كنت دائمًا لا أعير اهتمامًا لما يثار من نقاش قد يحمى وطيس الجدل فيه أحيانًا حول تسمية خليجنا، وقد كنت أيام الدراسة الجامعية في أواسط السبعينات ونهايتها أحضر أحيانًا حوارات طلابية يثار فيها مثل هذا الجدل مع طلبة إيرانيين في عز غليان المجتمع الإيراني بكل مكوناته الاجتماعية والسياسية وهو يستعد للثورة على نظام الشاه، وهي ذات الثورة التي ما كان من المأمول أن تنحرف عن مسارها التحديثي والتحرري الديمقراطي ليختطفها رجال الدين الذين حولوا الثورة من قوة دفع تاريخية إلى الأمام إلى قوة جذب رجعية أعادت الشعب الإيراني إلى حالكات العصور الوسطى وألحقت الأذى بالإيرانيين والأذى بدول الجوار، كانت تلك المحاورات تتطارح أحيانًا سؤال هوية الخليج أعربي هو أم فارسي، وكنت وقتها أرى في مثل ذلك الجدل شيئًا من السفسطة، والكلام الزائد وأرى في النقاش حوله مضيعة للوقت والجهد لا يقدم ولا يؤخر، وكنت أظن أن التسمية بنسبة الخليج إلى قومية بعينها لا تعني أبدًا أن ما يوجد في أعماق هذا الخليج أو تحت مياهه تعود ملكيته إلى من يظفر بشرف تسمية الخليج باسمه. غير أني تراجعت عن هذا الموقف بعد احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث؛ طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، إذ وجدتُ قناعتي تترسخ بأهمية تثبيت مسمى الخليج العربي، حتى لا تتمادى إيران في تطاولها أكثر وتعتبر أيلولة كل ما يقع عليه وفيه وحوله فارسيا بالقوة وبالفعل!
«الخليج الفارسي» هي التسمية التي أخذتها الدول الغربية من اليونانيين وصارت معتمدة لديهم، قبل أن تدخل التسمية الثانية، الخليج العربي. فاليونانيون في عهد الاسكندر الأكبر أول من أطلق على الخليج اسم «الخليج الفارسي»، وذلك بعد رحلة موفد الإسكندر الأكبر تياركوس «أمير البحر» عندما سير أسطوله بمحاذاة الساحل الفارسي ولم يتمكن من رؤية الساحل الذي يحد الخليج من جهة الشرق. ومن المهم أن نعرف بأن الخليج العربي أطلق عليه من قبل كثير من التسميات ومنها، خليج البصرة، خليج البحرين وخليج القطيف، وهي تسميات كما نرى ترتبط جميعها بمناطق في بلدان عربية أو ببلدان عربية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ العربي مثل البحرين.
ما ينبغي أن يفهمه ملالي إيران أن شعوب البلدان العربية والخليجية منها على وجه التحديد، قبل حكوماتها، لا تقبل أن تطلق تسمية الفارسي على خليجهم بدلاً من تسميته بالعربي، وما موقف العراقيين، الرافض في هذه القضية المفتعلة إلا موقف ممثل لكافة شعوب الخليج العربي وحكوماتها، فلو حدث غير ذلك فإنه لن يكون إلا تجاوزا للحقائق التاريخية وإنكارًا للحقائق الجغرافية. والجيد في إثارة مسألة تسمية الخليج هو أنها أثيرت بالتزامن مع إقامة منافسات كأس الخليج العربي في نسختها الـ25؛ لأن ذلك جعل الشعوب العربية على يقين ثابت بأن الشعب العراقي والدولة العراقية ممثلة برئيس وزرائها، وواحد من أكثر التيارات السياسية جماهيرية «التيار الصدري» قد أكدوا لإيران وأذنابها أن الخليج عربي وسيبقى عربيًا شأنه شأن بلاد الرافدين، وهو أمر أسهم في كشف اللبس والغموض الذي حاولت الأحزاب الدينية الإيرانية وميليشياتها في العراق استغلاله لطمس الهوية العربية طمسًا ليس أدل عليه من بشارات البائس نوري المالكي اليومية وخطابات هادي العامري والجعفري الهزيلة وغيرهم من الهائمين بترتيل «الآيات» الإيرانية والمتيمين بعشق ملاليها حد العمالة.
في اعتقادي أن التمسك بمسمى الخليج العربي مهمة قومية عربية، ولا ينبغي التساهل مع إيران في تغيير هذه الحقيقة؛ لأننا بذلك نكون متصالحين مع التاريخ في حركته ومع الجغرافيا في ثباتها.
