يعد المخرج المصري أحمد بدرخان من المخرجين الروائد في تاريخ السينما المصرية، وممن عملوا في هذا المجال منذ بواكير صناعة الفيلم المصري.

ولد أحمد علي شاكر بدرخان في 18 أكتوبر 1909 بحي القلعة الشعبي القاهري داخل منزل الأسرة الكبير بشارع قره غول. وهو حفيد خورشيد باشا بن طاهر آغا بدرخان، الكردي الذي تولى قيادة الجيش العثماني بمصر زمن أن كان والده طاهر آغا واليًا على مصر في بداية القرن 19.

درس الابتدائية والثانوية بمدرسة الفرير التي زامل فيها المخرج جمال مدكور، وعشق السينما في سن الثانية عشرة بسبب تردده الدائم على سينما الكوزمو بشارع عماد الدين لمشاهدة أفلام شاربي شابلن، وأيضا بسبب تردده على «مسرح رمسيس» لمشاهدة المسرحيات وبروفاتها، ما جعله يحلم مع زميله مدكور بالتمثيل حينما يكبرا. ثم اشبع شغفه هذا بالالتحاق سنة 1930 بمعهد التمثيل التابع لزكي طليمات، لكنه لم يستمر طويلاً بسبب إغلاق المعهد.

بعد أن حصل على شهادة الكفاءة الفرنسية التحق بالجامعة الأمريكية فشارك في أنشطة فرقة الجامعة للتمثيل التي كان الفنان المسرحي الكبير جورج أبيض مسؤولاً عن تدريبها، وفي الوقت نفسه كوّن بدرخان فريقاً خاصا به للتمثيل أطلق عليه اسم «فريق الطليعة»، وقام بتمثيل دور البطولة في «مسرحية الأديب» التي قدمها على مسرح رمسيس.

وإستجابة لرغبات وضغوط والده درس القانون بكلية الحقوق، لكنه في نفس الوقت راح يدرس الفن السينمائي بالمراسلة، فكانت تصله المحاضرات والدروس السينمائية من معهد السينما في باريس، وهو ما عزز خلفيته الفنية وجعله مؤهلاً لتحرير صفحة السينما الأسبوعية بمجلة «الصباح» القاهرية.

لفتت كتاباته أنظار الاقتصادي المصري المعروف طلعت باشا حرب، الذي كان وقتها يفكر في تأسيس ستوديو مصر، فاستدعاه وطلب منه تقريرًا وافيًا عن إمكانية إنشاء استوديو سينمائي في مصر فعكف صاحبنا على كتابة التقرير مستعينًا بما لديه من كتب ومقالات عن الاستوديوهات، وما زوده به من معلومات صديقه نيازي مصطفى، الذي كان يدرس السينما في ألمانيا آنذاك. حاز التقرير على موافقة طلعت حرب وبدأ في مشروعه الكبير، لكنه، إلى أن ينتهي المشروع، قرر أن يرسل على نفقته بعثتين لدراسة السينما أكاديميًا إلى فرنسا وألمانيا، فكان بدرخان على رأس البعثة المسافرة إلى باريس. وفي باريس التقى بدرخان بنجيب الريحاني الذي كان يصور وقتها (سنة 1934) فيلمه «ياقوت أفندي»، فطلب الريحاني من مخرج الفيلم «إميل روزيه» أن يوظفه كمساعد له، بعد أن وجد فيه شخصًا عاشقًا للفن وطموحًا ومثابرًا.

أثناء تواجده في باريس للدراسة، استلم من استوديو مصر بالقاهرة قصة «وداد» ليعد لها السيناريو، كي تكون باكورة إنتاج الاستوديو، وقد أنجز المهمة على أكمل وجه. لكنه حينما عاد إلى مصر في أكتوبر 1934م وتمّ تعيينه مخرجا في الأستوديو براتب 20 جنيهًا في الشهر، اختلف مع مدير ستوديو مصر آنذاك المخرج والممثل أحمد سالم، فسحبت منه مهمة إخراج فيلم «وداد» وأوكلت إلى المخرج الألماني «فريد كرامب»، الأمر الذي آلمه وكان سببا في استقالته من ستوديو مصر.

وكنوع من رد الاعتبار إليه قامت بطلة فيلم «وداد» السيدة أم كلثوم في عام 1937 باختياره لإخراج ثاني أفلامها وهو فيلم «نشيد الأمل» من انتاج شركة الشرق، ليقوم بدرخان بعد ذلك بإخراج جميع أفلامها (عدا فيلم «سلامة» الذي أخرجه لها توغو مزراحي عام 1945) وهي على التوالي: دنانير /‏‏1940، عايدة /‏‏1942، فاطمة /‏‏1947، بل أن أم كلثوم أوكلت إليه دون سواه أخراج أغنيتها «إلى عرفات الله» تلفزيونيًا، فنجح نجاحًا باهرًا؛ لأنه كان شاعرًا ويتقن صناعة أفكار أغاني أفلامه وكتابة بعض نصوصها.

ومن هنا عرف بدرخان بالمخرج المتخصص في إخراج الفيلم الغنائي، بل أصبح رائدًا من رواده، بدليل أنه قدم العديد من الأفلام الغنائية لمشاهير وعمالقة الطرب في مصر، ولاسيما فريد الأطرش، حيث أخرج له بدرخان معظم أفلامه مثل فيلمه الأول مع شقيقته اسمهان وهو «انتصار الشباب /‏‏1941، قبل أن يخرج له: شهر العسل /‏‏1945، وما أقدرش /‏‏1946، أحبك إنت /‏‏1949، آخر كذبة /‏‏1950، عايزة أتجوز /‏‏1953، لحن حبي /‏‏1953، عهد الهوى /‏‏1955، إزاي أنساك /‏‏1956.

علاوة على الأطرش أخرج لعبد الغني السيد ونجاة علي الفيلم الغنائي «شيء من لاشيء» /‏‏1945، ولمحمد عبدالمطلب «تاكسي حنطور» /‏‏1945، ولمحمد فوزي ونور الهدى «مجد ودموع» /‏‏1946 و«قبلني يا أبي» /‏‏1948، ولمحمد الكحلاوي «أنا وإنت» /‏‏1950، ولعبدالعزيز محمود «علشان عيونك» /‏‏1954، ولنجاة الصغيرة «بريئة» /‏‏1958.

على أن بدرخان حرص في الوقت نفسه على تقديم أعمال أخرى عاطفية واجتماعية وسياسية، بعيدًا عن الطابع الغنائي والاستعراضي. فقام مثلاً في عام 1952، وقبل انقلاب يوليو، ورغم كل ظروفه الصعبة ومشاكل الرقابة والتهديد والترهيب بإخراج فيلم «مصطفى كامل» عن حياة هذا الزعيم الوطني وكفاحه من أجل استقلال مصر، بل أنتجه بنفسه بعد أن ترددت شركات الانتاج في إنتاج العمل، وهو ما تسبب في تراكم الديون عليه.

ويذكر أن بدرخان أسس مع الفنانة أمينة رزق والمخرج حلمي رفلة والمصور عبدالحليم نصر شركة انتاج سينمائي باسم «شركة اتحاد الفنانين» (تمّ تأميمها لاحقًا كغيرها) التي انتجت أفلاما من إخراج بدرخان مثل: قبلة في لبنان /‏‏1945، القاهرة ــ بغداد /‏‏1947، سيد درويش /‏‏1966، النصف الآخر /‏‏1967، أفراح /‏‏1969، ثم أخرج وهو يصارع الموت آخر أفلامه وهو «نادية» /‏‏1969 من بطولة سعاد حسني وأحمد مظهر ونور الشريف وعماد حمدي.

شغل منصب رئيس إتحاد النقابات الفنية، بل كان أول رؤسائه، وتولى عمادة المعهد العالي للسينما خلفا لزميله المخرج محمد كريم، كما كان مديرًا لشؤون السينما بوزارة الثقافة عام 1959، ومستشارًا فنيًا لمؤسسة السينما حتى تاريخ وفاته في أغسطس 1969، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في 1954، ووسام الفنون في 1962، وتزوج 4 مرات: أولاً من سيدة من خارج الوسط الفني فأنجبت له إبنتين، ثم من الفنانة روحية خالد، ثم تزوج إسمهان بعقد عرفي وطلقها مجبرًا بعد 55 يومًا فقط، وأخيرًا تزوج في 1944 من السيدة سلوى علام التي أنجب منها إبنه المخرج علي بدرخان وإبنته رقية بدرخان.