الإنسان الفرد والإنسان الجماعة في معمعة الحياة، سيمفونية أنغامها متناقضة غير متجانسة، رغم التشكيلات الجماعية التي تطورت بالتدرج التاريخي من العشيرة عبر القبيلة إلى الدولة. واللمة البشرية في توسع قد تصل، وهذا غير مستبعد، الى محطة الحكومة العالمية وانتهاء الدولة الوطنية مثلما انتهت سلطة العشيرة والقبيلة. وهذه قراءة مستقبلية اعتمادًا على التطور والارتقاء لأشكال التجمع البشري عبر المسار التاريخي... فمن مسارات الماضي يمكن قراءة المحطة التالية في المستقبل، وهو الاستقراء حسب المصطلح الفلسفي. هذه اللمة البشرية، من بدايتها البدائية إلى حالها الحاضر الحضاري وهي محشورة بين الحاجة المعيشية وتدبر علاقة الإنسان بالإنسان في اللمة.

لتحقيق الحاجة لابد من تفاعل الإنسان مع الإنسان في علاقة إنتاجية وتوزيع المنتج، والعملية الإنتاجية ومهمات التوزيع في حاجة إلى تدبر، ومن التدبر الى الإدارة ومن الإدارة إلى سلطة وقيادة، ومنها الى تقسيم المجتمع الى طبقات. طبقة تقود وتوزع و تملك ولكنها لا تنتج، وطبقة تعمل وتنتج ولكنها لا تملك. هذا الفرز، بين من يملك أدوات الإنتاج ومن لا يملك هذه الأدوات، قائم منذ أول لمة جمعت الإنسان في تشكيلة لها هوية جماعية - أسرة، عشيرة، قبيلة، دولة وطنية.

أعلى مراحل هذه اللمة وأرقاها، بوجهيها الإنتاجي والإداري هي اللمة، بألوانها الثقافية والوطنية، في هذا العصر الحديث الذي هو نتاج عصر النهضة و ما أفرزته تلك النهضة من نظام اقتصادي ونظام سياسي - الرأسمالية والديمقراطية. قبل هذا الفرز بين الاقتصاد والسياسة، كانت السلطة العليا بيدها الاثنين معًا مضيفًا اليها سلطة روحية لتلطيف النفوس وترويضها. ومع الفرز استقلت السياسة عن الاقتصاد، خاصة وإن السياسة بذاتها تشعبت الى ثلاث سلطات، والسلطة الأهم وهي التشريع بيد الشعب، وهنا تأتي سمة او مسمى الديمقراطية. أن يكون التشريع بيد ممثلي الشعب أمر يرعب ولا يطمئن سادة الاقتصاد، والاقتصاد هو شريان الحياة... ومن بيده هذا الشريان بيده القرار. لكن هذا القرار صار تحت رحمة التشريع، والتشريع، لأنه تحت سلطة الشعب، فإنه سيحد من حرية من من بيده الاقتصاد، من أجل التوزيع الأمثل للإنتاج وتحقيق مجتمع الرفاه.

ركب الهاجسُ نفوسَ سادة الاقتصاد، وأخذوا يخططون لاختراق الديمقراطية من أجل استعادة السلطة السياسية برمتها، تشريع وتنفيذ وقضاء. و لأن بيدهم الاقتصاد أي المال، فإن لهم اليد الطولى لشراء الذمم وامتلاك أدوات ووسائل الإعلام لتوجيه عامة الناس الى الوجهة التي تخدم مصالحهم وتأمن سيادتهم الكاملة مثلما كانت قبل العصر الديمقراطي. تولد من هذا الهاجس أنماطًا من ايديولوجيات عنصرية، فكانت النزعة الاستعمارية والنازية والشوفينية والتطرف الوطني والقومي والتطرف الديني والمذهبي. هذه الايدولوجيات فككت أواصر التآزر الشعبي الذي هو دعامة الديمقراطية، وأوجدت إسفينًا بين الشعوب، وساهمت في أول حرب عالمية، وبعد فترة قصيرة تلتها حرب عالمية ثانية، ويبدو أننا على مشارف حرب عالمية لا رقم لها؛ لأنها لن تبقي من الناس من يمكن أن يستذكرها. لا عجب، فبعد الحرب العالمية الثانية سخنت المنافسة بين سادة الاقتصاد جريًا وراء تكديس الملايين ومن ثم ارتقت الملايين إلى المليارات واليوم المليارات تسعى لتحقيق الترليونات ومن ثم لا ندري إلى أي رقم خيالي. غرق أسياد المال والاقتصاد في لجة من أفيون المال، مما جعل العالم وكوكب الأرض تحت رحمة هؤلاء السادة الذين قد تأخذ بهم نشوة الأفيون الى دمار العالم.

النازية وصلت إلى الحكم عبر آليات النظام الديمقراطي، وسيطرت على الحكم وداست على الديمقراطية وأعادت بناء الدولة على نمط الاستفراد بالسلطة ومنه إلى الشكل الدكتاتوري القبيح، الاقتصاد والسياسة تحت سلطة واحدة... وفي واقع الأمر، فإن هذا التحول، أو هذا الاستفراد بالسلطة من خلال الديمقراطية ضد الديمقراطية، لم يكن من موقع نظري أو فلسفة اقتضت ذلك، أو بفعل إرهاصات الفكر الناقد، بل إن التحول عن الديمقراطية أو الهجوم عليها يستند على قاعدة اقتصادية بحتة، وما النزعة الاستعمارية والاستيطانية والفكر النازي والفاشي والعنصري سوى وسائل ملتوية، مع بعض من التبريرات عندما تتكشف بعض الأسرار، لتثبيت مصالح اقتصادية لفئة أو طبقة متنفذة في البنية الاجتماعية. والذي فعلته النازية يفعله سادة الاقتصاد في العالم الذي يتبجح بأنه «العالم الحر»، حيث سادة الاقتصاد يمسكون بتلابيب سلطات الديمقراطيات كلها، من تشريع وتنفيذ وقضاء. هذه السلطة التي استطاعت أن تستعيد سيادتها على السياسة والاقتصاد هي المستفيدة الأولى والمحرضة لإشعال الحروب، والذي يمكن من خلالها تحقيق السيادة على العالم بما يحمل من ثروات للنهب وشعوب للاستعباد في معامل الاقتصاد الرأسمالي.

شعوب العالم، التي كانت تحلم بالديمقراطية، صارت اليوم شاهدة على تراجع عالمي وتخطٍ لما رسمه عصر النهضة، وعودة إلى العصور التي كانت السيادة فيها مطلقة. وهي أشبه بالعصر العبودي، حيث كان السيد يملك العبد ويملك الأرض وهو السيد الأوحد في اتخاذ القرار... أي عادت حليمة إلى عادتها القديمة!!! قد تكون الصورة التي تتشكل أمامي يميل عليها النقد بأنها متشائمة، و =لكن هذا النقد والتشاؤم لا ينفي أن الديمقراطية في مأزق، وأن المأزق، إن طال أمده، آيل إلى ما هو أبعد من المأزق، إذا لم يتم العودة إلى ما رسمته أفكار عصر النهضة من أهداف إنسانية راقية.