من أهم الإنجازات التي يمكن لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تحقيقها هو إقامة السوق الخليجية المشتركة. إنجاز هذا الأمر المهم لمستقبل دول مجلس التعاون وشعوبها يعتبر الخطوة أو اللبنة الأولى لإقامة المزيد من التلاحم الوحدوي بين دول وشعوب المجلس، فبقاء واستمرار المجلس في عمر المستقبل يعتمد كثيراً على خلق المزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي بين الدول الست، ويبدأ عن طريق إقامة السوق الخليجية المشتركة التي يتفق على تفاصيل إقامتها وعملها الجميع.

إن البدء في إقامة السوق المشتركة ليس بالأمر المستحيل، والخطوات الأولى اللازمة لذلك تبدأ بإلغاء الرسوم الجمركية والضرائب وقيود الحصص على جميع أنواع السلع والخدمات بين الدول الأعضاء، ثم بعد ذلك التوصل إلى اتفاقيات ملزمة تضع جداول زمنية لتفعيل عمل السوق المشتركة وفقاً لسقف زمني يحدد مسبقاً، يبدأ من سنة معينة وينتهي عند سنة معينة، كأن تكون العام 2030 مثلاً.

ودون شك، فإن وضع خطوات متدرجة إلى أن يتم تفعيل عمل السوق بالكامل، سيساعد على التوصل إلى الهدف المنشود. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق التخفيض التدريجي للرسوم الجمركية المفروضة على البضائع العابرة والسلع المصنعة والزراعية إلى أن يتم إلغاء ما هو موجود منها على أرض الواقع بالكامل. مثل هذه الإلغاءات ستساهم في زيادة حركة التجارة بين الدول الست. وبالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر فتح سوق العمالة المواطنة بين الدول والسماح للمواطنين بالتنقل الحر كيفما شاءوا للعمل بحرية، وتملك العقارات التجارية والمساكن واستخراج الرخص التجارية ومزاولة المهن الحرة، بحيث تطبق عليهم القوانين والشروط والأحكام نفسها بعد أن يتم توحيدها، خاصة ما يتعلق منها بالرواتب والأجور والإجازات السنوية وشروط التقاعد.

بكل تأكيد أن إنجاز مثل هذه الطموحات ليس بالأمر السهل، كما يبدو في الوهلة الأولى، وقد يقف أمامه العديد من العراقيل التي تطرأ في داخل كل دولة على حدة، فلربما أن بعض الدول وشعوبها ليست مهيأة بعد من النواحي السيكولوجية والمصالح الشخصية للأفراد لتقبلها والتماشي معها، ولن توافق عليها بسهولة في البداية لأنها قد تخلق ضغطاً على سوق العمل لديها، كما حدث في التجربة البريطانية مع سوق العمل في دول الاتحاد الأوروبي قبل انسحابها من الاتحاد. في تلك الفترة، وقع ضغط شديد على سوق العمل في بريطانيا بسبب انتقال أعداد كبيرة من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى للعمل في بريطانيا، وولد تذمراً شعبياً واسعاً، وكان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انسحابها في نهاية المطاف من الاتحاد الأوروبي.

ومن جانب آخر، تحتاج السوق الخليجية المشتركة لكي تتأسس وتنجح إلى أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجي الست برفع القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال الضخمة في ما بينها، لكي تكتمل عملية إقامة السوق المشتركة بالشكل الصحيح الذي يربط بين مصالح جميع الدول بشكل متين، ويجعلها تتحقق بسلاسة وعدالة ترضي جميع الأطراف.

مثل هذا الأمر سيؤدي إلى إقامة سوق داخلية موحدة تساعد في آخر المطاف على ظهور العُملة الخليجية الموحدة، ويدفع باتجاه إقامة جسور تكاملية على الصعيد النقدي تدعم وتعزز عمليات السير الناجح الذي يتم تحقيقه على صعيديْ الاقتصاد والتجارة.
هذه الخطوات الأولية ستؤدي إلى تحقيق تقدم ملموس على صعيد إقامة السوق المشتركة، وإلى تقارب في معدلات الرواتب والأجور والتضخم المالي والنقدي وحركة أسعار الفائدة، والحد من التفاوت والتقلبات في أسعار صرف العملة، والابتعاد عن الربط العضوي بين العملة الخليجية المزمعة والعملات الغربية الرئيسية التي تعرضها لاهتزازات قوية وأزمات مالية ونقدية عالمية. هذه الخطوات لو تم الإقدام عليها، فإنها ستؤدي إلى رفع درجة الاعتماد المتبادل بين دول المجلس، وتمهد الطريق أمام السوق المشتركة وفقاً للخطط المرسومة لإقامتها.
* كاتب إماراتي