قلت للقلم: أتظن أنك أتيت بما يكفي من الدلائل للاستدلال على وجود التباسات في الموسيقى العربية؟ قال: سأبدأ بالأمور البسيطة ونصعد السلّم درجات. من أزعجه وصف موسيقانا بأن أوضاعها مقلوبة، فالعقلُ الحَكَم. المطربون هم الذين يتحكمون في الوسط الموسيقي، بينما أغلب هؤلاء ليسوا من المتخرّجين في المعاهد الموسيقية. هذه المسألة في حدّ ذاتها قنفذ مِشْواك. مشاهيرهم عبارة عن مؤسسات، فللمطرب مدير أعمال وعلاقات عامّة وحسابات مالية لها علاقة وتأثير في الموسيقى، فتجده يعصر النفقات، يكتب الكلمات ويلحّن بنفسه. من نصّبه شاعراً حتى يملي على الشعوب ما يجب أن تتخذه غذاءً ثقافيّاً؟ من وشّح صدره بنياشين التلحين؟ من أعطاه حق التوزيع الأوركسترالي؟
قلت: بالمناسبة، لماذا لا توجد في الموسيقى العربية سلسلة مراتب أوركسترالية؟ شيء مثل أوركسترا الغرفة صعوداً إلى الفرقة السيمفونية ثم في القمّة العليا الأوركسترا الفيلهارموني؟ قال السبب واضح، فموسيقانا كلّها تدور في قفص الأغنية. نحن لا نملك أشكالاً وأجناساً موسيقية غيرها. في الحفلات، تجد الفرقة مكوّنة أحياناً من عشرين آلة أو أكثر، من بينها عدد من آلات ضبط الإيقاع، درابيك، دفوف، دوائر، طبول وصنوج.
لو ألغيتَ ذلك التهريج الإيقاعي، لكان أداء الوتريات دون أداء رباعيّ وتريّات أو رباعي وتريّات ونافخات متناغم فعّال. المسألة ليست بالكثرة، في الكثرة أحياناً مئة عثرة. ثم إن المطرب في الحفلات يؤلّب الجمهور على الموسيقى، بحثّ الحاضرين على التصفيق طوال الغناء. هكذا تضيع الآلات الإيقاعية، فيلجأ ضارب الدربكة إلى تغليف أصابعه بالبلاستيك الصلب. ماذا بقي للموسيقى؟ هل يعلم هؤلاء أن كثرة الإيقاعيّات ولعبَ التصفيقِ دورَ الآلات، من سمات الموسيقى البدائيّة، وليس لهذا من جذور عربية بتاتاً؟
قلت: أمست الموسيقى العربية في أيام خريفها تتناثر أوراقها. توارى روّاد التلحين، فتقلص عدد المقامات المستخدمة، وغاب التلوين المقامي. صار الموسيقيون الحقيقيون غرباء لأن الفن الرفيع لا يقوى على تكسير الدنيا بفستان، أو جمع مئات ألوف اللايكات ببهتان. قال: الحلول الناجعة ليست مُحالاً، لكنها تحتاج إلى وقت ومجهود علمي. الموسيقى أهمّ من أن تُترك شؤونها سدًى لغير الأكفاء. على المشرفين على الفن الحزم، وعلى المعاهد الموسيقية أن يكون لها حضورها وكلمتها، وأن تسندها مراكز علوم موسيقية، لتأسيس فرق رائدة تابعة للدولة ليس مصيرها على كفّ عفريت، وأن يحظى الموسيقيون المبدعون بالرعاية، فلا يكونون تحت رحمة المطربين، عندئذ تنتفي الالتباسات في الموسيقى العربية، ولا يصاب الذوق العام بسوء التغذية الفنّيّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التذكيرية: هل تعرف ما معنى «أوركسترا برلين الفيلهارموني»؟ أمنية أيّ عازف متألق، في القارات الخمس، أن يكون عضواً فيه ولو ليوم واحد. ألا يستحق أربعمئة مليون عربي رائعة كهذه؟
