عند انهيار جدار برلين في خريف عام1989 اعتقد بعض المفكرين بإن العالم سيشهد سلامًا لفترة طويلة إذ أن الحرب الباردة بين الدولتين الأعظم آنذاك، أي الولايات المتحدة الأميركية وما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، انتهت صلوحيتها مع الانهيار المدوي للكتلة الاشتراكية. إلاّ أن النزاعات والحروب سرعان ما اندلعت من جديد في مناطق مختلفة من العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، ومع عودة النزاع الخفي والمعلن بين روسيا والدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، وأيضا بين الصين وهذه الدول، بدأ العالم يشهد سباقا جديدا نحو التسلح تشارك فيه حتى الدول التي كانت ممنوعة من ذلك، وتحديدا ألمانيا واليابان.
وهذا السباق أجبر الدول العظمى بالخصوص على رفع ميزانياتها العسكرية والحربية خصوصا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي حوار أجرته معه الأسبوعية الفرنسية "لوبس"، يقول الفرنسي برينو تراتريه المتخصص في شؤون السياسة الدولية بإن العودة إلى السباق نحو التسلح بدأ في مطلع الألفية الجديدة، وتحديدا بعد أحداث سبتمبر-أيلول2001 .
ففي تلك الفترة تضاعفت ميزانية الدفاع الأميركي. وفي سنة2012، مع انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا، ومع بروز شي جيبينغ على رأس الحزب الشيوعي الصيني، شهد السباق نحو التسلح ارتفاعا جديدا.
وفي تلك السنة، أي سنة2012، كانت المبالغ التي رُصِدَت للدفاع العسكري في آسيا تتحاوز كل الدول الأوروبية. وفي منتصف سنة 2010 شهد العالم حدثين بارزين كان لهما بالغ التأثير على الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.
الحدث الأول هو قيام روسيا بضم القرم. أما الحدث الثاني فتمثل في ظهور داعش. ومنذ فبراير-شباط 2022، مع الغزو الروسي لأوكرانيا، يعيش العالم حلقة جديدة من السباق نحو التسلح. وهو يهم أوروبا أساسا حيث ارتفعت الميزانية المخصصة للدفاع العسكري في كل من ألمانيا وبولونيا. لكن، يمكن القول أن العالم شهد حلال العشرية الأخيرة سباقا نحو التسلح يذكر بسنوات التوتر التي تميزت بها بعض فترات الحرب الباردة خصوصا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
ويقول برينو تراتريه بإن الشوط الجديد في السباق نحو التسلح هو نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا الذي كان له تأثير كبير على عقليات الشعوب. وتلك الفكرة التي يعتقد أصحابها بأن العلاقات التجارية والاقتصادية يمكن أن تضمن السلام بين الأمم هي الآن في طريقها إلى الانقراض.
وأكبر دليل على أن العالم يشهد راهنا تحولات كبرى هو أن بروكسيل، مقر الاتحاد الأوروبي لم تعد مهتمة فقط بالقضايا الاقتصادية، بل هي تقوم الآن بتقديم الدعم العسكري لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

