في 22 أبريل عام 1978 رحل مخرج سينمائي مصري ذائع الصيت، حفر اسمه في تاريخ السينما المصرية منذ أربعينات القرن العشرين، وقدم لها جملة من الأعمال الرومانسية والاجتماعية والكوميدية والغنائية، وعددا من نجومها المعروفين الذين كان وراء اكتشاف مواهبهم التمثيلية وإطلاقهم في عالم الشهرة. كانت وفاته على إثر نوبة قلبية تعرض لها خلال تنقله من ليون إلى باريس لمعاينة أماكن تصوير فيلم عن حياة الأديب توفيق الحكيم، وكان آخر أعماله فيلم «مكالمة بعد منتصف الليل» سنة 1978 من بطولة حسين فهمي وميرفت أمين.
المقصود بهذه المقدمة هو المنتج والمخرج والمؤلف والماكيير «حلمي رفلة»، الذي ولد بمحافظة الجيزة بالقاهرة في 15 مايو 1909 لأسرة قبطية مقتدرة. منذ طفولته راح يثقف نفسه بنفسه في مختلف المجالات، ما جعله في كبره قادرا على اغتنام الفرص التي اتيحت له للعمل في أكثر من نشاط. وهذا بدوره مكنه أن يسبق عصره بشكل واضح. بدأ مسيرته المهنية عام 1936 بالعمل كماكيير هاو، حينما استعين به لوضع الماكياج لأم كلثوم في أفلامها الأولى.
حبه لهوايته هذه دفعه للسفر إلى فرنسا على نفقته لدراسة فن الماكياج على أصوله، حيث رافق صديقه المخرج أحمد بدرخان إلى هناك عام 1931 لما علم أن الأخير مبتعث إلى فرنسا لدراسة الإخراج على نفقة ستوديو مصر. وفي سنواته الباريسية تعلم رفلة الكثير عن فن الماكياج وفنون السينما بصفة عامة، الأمر الذي حوله إلى شخصية مثقفة وقادرة على تقديم أشياء مبتكرة لصناعة السينما المصرية. ويبدو أن طلعت حرب، مؤسس ستوديو مصر، فطن إلى ذلك فاستعان به وضمه إلى فريقه الأجنبي المكلف بتطوير صناعة السينما بمصر.
لاحقا، أعلنت وزارة المعارف عن رغبتها بإيفاد بعثة إلى فرنسا لدراسة مختلف مجالات الفن، بما فيها تخصص الماكياج، وذلك تهيئة لتأسيس وإطلاق «الفرقة القومية المصرية» المسرحية، فانضم إلى البعثة بصفة ماكيير. غير أنه في رحلته الثانية هذه إلى باريس لم يحصر نفسه في دراسة الماكياج فقط، وإنما درس أيضا فنون التصوير والديكور والإخراج، لكنه حينما أنهى بعثته وعاد لمصر وجد أنه فصل من عمله عقابا له لسفره دون استئذان. ولهذا التحق بالفرقة القومية المصرية، فعمل بها لمدة خمس سنوات كماكيير، لينقل بعدها للعمل كماكيير محترف في السينما، علما بأن أول فيلم تولى فيه عملية الماكياج، بهذه الصفة، هو فيلم «يحيا الحب» عام 1938 من إخراج محمد كريم وبطولة محمد عبدالوهاب وليلى مراد.
في الأربعينات أسس مع أحمد بدرخان وعبده نصر شركة إنتاج سينمائي، وأخرج سنة 1947 أول أعماله وهو الفيلم الرومانسي الكوميدي «العقل في إجازة» الذي قدم فيه وجها نسائيا جديدا لأداء دور البطولة أمام الموسيقار محمد فوزي. ولم يكن هذا الوجه سوى فاطمة شاكر التي رشحها له أحمد بدرخان فأطلق عليها رفلة اسم «شادية». نجاح هذا الفيلم، بسبب لونه الغنائي الكوميدي المفضل لدى رفله والمنسجم مع شخصيته المرحة الساخرة، شجع محمد فوزي على تكرار العمل مع رفلة، فأخرج الأخير له، بين عامي 1947 و1955، 14 فيلما آخر (الروح والجسد، حب وجنون، فاطمة وماريكا وراشيل، بنت باريز، فاعل خير، آه من الرجالة، بنات حواء، ثورة المدينة، ابن للإيجار، الآنسة ماما، غرام راقصة، المجنونة، نهاية قصة، مجد ودموع، قبلني يا أبي).
أخرج رفلة لعبدالحليم حافظ أفلام «ليالي الحب» في 1955، و«فتى أحلامي» في 1957، و«معبودة الجماهير» في 1967، وأنتج له فيلم «شارع الحب» في 1958، وأخرج لفريد الأطرش فيلم «تعال سلم» في 1951، وقدم وردة الجزائرية لأول مرة كممثلة في الفيلم الغنائي ألمظ وعبده الحامولي من إخراجه سنة 1962، وجازف بمنح دور البطولة للوجه الجديد «منى بدر» في فيلم «فتى أحلامي»، وكتب بنفسه سيناريو نحو15 فيلما من إخراجه.
أهم أفلامه كمنتج: هدى/59 للمخرج رمسيس نجيب، المنتصر/52 وإنسان غلبان/54 من إخراجه، طريق الأمل/57 وشارع الحب/58 ونهر الحب/60 وامرأة في الطريق/58 لعزالدين ذوالفقار، السبع بنات/61 واحنا التلامذة/59 لعاطف سالم، شفيقة القبطية/62 وقصر الشوق/66 لحسن الإمام. وأهم أفلامه كمخرج عدا ما ذكرناه آنفا هي: ليلة العيد/49، حمامة السلام/47، المليونير/50، حماتي قنبلة ذرية/51، فايق ورايق/51، البنات شربات/51، الحموات الفاتنات/53، لحن السعادة/60، الزواج السعيد/74، سيدتي الجميلة (النشالة)/75، أبو الذهب/54، الحقوني بالمأذون/54، عاشق الروح/55، الأرملة الطروب/56، المفتش العام/56، نساء الليل/73، الوفاء العظيم/74، وكان الحب/74، جفت الدموع/75، سنة أولى حب/76، لا يامن كنت حبيبي/76، نساء في المدينة/77.
في الستينيات، ومع موجة التأميمات الاشتراكية، تعرضت شركته الخاصة للإنتاج السينمائي للتأميم، وتم تعيينه مديرا في مؤسسة السينما الحكومية دون رغبته. أثر الحدث على معنوياته كثيرا، خصوصا أنه كان يعيش وحيدا داخل شقة صغيرة بشارع رمسيس بالأزبكية، منذ أن هاجرت عائلته إلى كندا. ومما قاله للصحافة حول ذلك: «تعرضت لخسارة مالية كبيرة. قررت أن أتحمل مشقة ذلك وحدي من دون أن أُلزم عائلتي. كان ابني منير قد أصبح منتجا وابني نبيل درس التصوير في معهد السينما. شجعت العائلة على الهجرة. لم يكونوا متحمسين، وأنا في قرارة نفسي لم أكن متحمسا، لكن ذلك كان الحل الوحيد».
وأخيرا، يذكر أنه تعرض للاعتقال مدة 24 ساعة عام 1953 بسبب ذهابه لزيارة صديقته وزميلته تحية كاريوكا في السجن الذي قضت فيه الأخيرة مائة يوم بتهم تبني الأفكار الشيوعية.
