وجد الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان ضالته في اللغة: استخدام كلمة «مشاورات» أو «اجتماع عمل»، بدلاً من حوار، من أجل جمع الفرقاء اللبنانيين، في أيلول المقبل، مع أنّ اجتماع الدوحة الخماسي اعتبر أنّ الدعوة إلى الحوار قد لا تكون مجدية خشية فشله بحكم رفض فرقاء دعوة «الثنائي الشيعي» بحجّة أنّها محاولة لفرض مرشحه ولإضاعة الوقت.

مع انشراح «الثنائي» إلى الفكرة كما بدا من ردود فعل رئيس البرلمان نبيه بري ثم رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد لهذا المخرج الحواري، فإنّ حرص لودريان على حصر البحث خلال المشاورات التي يفترض أن تجرى في أيلول المقبل، أي بعد نيف وشهر، ببند رئاسة الجمهورية ومن زاوية مواصفات الرئيس، قطع الطريق على أي اجتهادات تخرج النقاش عن موضوع الرئاسة باتجاه رغبات البعض في إجراء تعديلات في صيغة الحكم أو تعديلات دستورية تتعلق بمستقبل النظام في البلد، باعتبار أنّ الاجتماع الخماسي أعاد التأكيد على التمسك باتفاق الطائف وتطبيقه. كما أنّه قطع الطريق على صيغة «السلّة» التي تشمل رئاسة الحكومة وشكلها والتعيينات في مناصب رئيسة في الدولة من حاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش والمديرية العامة للأمن العام، إلى رئاسة مجلس القضاء الأعلى...

تكرار لودريان أن لا أسماء لدى الجانب الفرنسي، أمام كافة الذين التقاهم، معطوفاً على النقطة السابقة بعدم طرح السلة، يثبّت الحقيقة القائلة إنّ فرنسا أسدلت الستار على معادلة المقايضة بين الرئاستين الأولى والثالثة، خلافاً لما أشاعه فريق «الممانعة» بأنّ باريس لم تتخل عن دعم ترشيح رئيس «المردة» سليمان فرنجية، بعد الاجتماع الخماسي في الدوحة.

الأهم في الاقتراح الفرنسي الجديد، البند الثاني الذي يشمل بعد «جلسات العمل» التي قال إنها قد تكون في مقر قصر الصنوبر «أو في مكان آخر» كما قال (مثل مقر البرلمان)، ولمدة يومين أو ثلاثة بالحد الأقصى، الانتقال فوراً إلى عقد جلسات متتالية ومفتوحة للبرلمان من أجل الاقتراع للمرشحين للرئاسة، إلى أن يفوز من يحصل على الأكثرية. فالمشاورات لن تكون مفتوحة زمنياً، بل لها سقف يحدّه التوصّل إلى قواسم مشتركة حول مواصفات الرئيس ثم تعيين موعد لجلسة انتخابه. وأفادت معلومات أنّ رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل (وغيره من الفرقاء) اشترط، للموافقة على مخرج «جلسات العمل»، أن يعقب انتهاء التشاور مع سائر الفرقاء تعيين بري موعداً للبرلمان كي يبدأ فوراً عقد الجلسات المتتالية للاقتراع للرئيس.

صنّف بعض النواب وصف بري اقتراح لودريان بأنّه «فتح كوة» في جدار الفراغ الرئاسي، على أنه قبول من قبل رئيس البرلمان بالبند الثاني من اقتراح لودريان، أي الدعوة إلى جلسات انتخاب متتالية، فيما سأل نواب آخرون عما إذا كان بري التزم هذا البند أي إبقاء البرلمان منعقداً إلى حين انتخاب الرئيس، على أمل تأمين أكثرية الـ65 نائباً لفرنجية، من الآن حتى أيلول المقبل؟ إزاء تأكيد لودريان لسائر النواب الذين التقاهم أنهّا الفرصة الأخيرة للقوى السياسية اللبنانية، تنسحب بعدها دول الخماسية من مسعاها، ونصيحته للجميع بأن يستفيدوا منها لأن لدى الدول المعنية ما يشغلها عن أزمة لبنان من مشاكل عديدة، تتساءل أوساط نيابية عما إذا كان الجانب الفرنسي حدد أيلول للبدء بجلسات متتالية لانتخاب الرئيس، لأنّه يتوقع تطوراً إقليمياً يسهل ظهور الرئيس العتيد. وما هو التطور الذي يمكن أن يطرأ على العلاقات الدولية الإقليمية بحيث يتم إسدال الستارة على الشغور الرئاسي؟ إلا أنّ الموفد الرئاسي الفرنسي دعا إلى عدم التذرّع بالخارج لتأخير انتخاب الرئيس. وحين سئل عن إمكان توسيع التشاور حول الجولة الجديدة من المشاورات لملء الفراغ الرئاسي وضم إيران إليها اكتفى بالقول إن بلاده تتشاور مع الشركاء الأوروبيين، ولا اعتراض على التنسيق مع إيران.

خط التواصل مع طهران تتولاه قطر أيضاً التي زارها وزير الدولة في الخارجية محمد الخليفي قبل أيام. فاجتماع الدوحة الخماسي صحيح أنه استبعد ضم طهران إليه، إلا أن الجانب الأميركي لم يعترض على تولي دول منها قطر، التواصل معها، لتسهيل أمور الرئاسة في لبنان. إلا أنّ للتحرك القطري بنوداً أخرى على جدول أعمال التشاور هي ميله لرئاسة قائد الجيش العماد جوزاف عون من جهة، وإلى استضافة «اجتماعات العمل» في «الدوحة-2». الأسابيع المقبلة كفيلة بتوحيد الجهدين الفرنسي والقطري، طالما ما يحصل هو الفرصة الأخيرة.