في سوق التجارة قديماً، حين ينجح محل حلاقة يتحوّل كل الحيّ إلى دكاكين حلاقة، فلا تسمع إلا هدير مكائن الحلاقة وهي تزحف على الجماجم. وحين يعلو صيت «كافتيريا» تغدو رائحة المنطقة مشبوبة بالكاري وزيت القلي، وكأنك في شهر رمضان قبيل الأذان.
ثمة تقليد مخيف عند مجتمعاتنا التنادي والتهادي نحو الرائج. حتى اليوم كل خمس سنوات تأتي هبّة استثمار معينة، كل خمس سنوات تخرج لنا موضة، حين رجع المبتعثون من الخارج بدأت صرعة محلات «البرغر»، لكن سرعان ما انفض السامر وأدرك الجميع أن التنافس في هذا السوق له شروطه القوية، بسبب وجود إمبراطوريات كبرى جودتها عالية وسعرها رخيص. ثم هبّو نحو «الكوفي شوب»، ثم محلات «الشاورما»، واليوم يتنافسون على تجديد فكرة «المطعم البخاري»، لكن في آخر النهار يذهب رب البيت إلى الإمبراطورية الشهيرة ليشتري منها «البرغر» وإذا أراد مطعماً بخارياً يتجه نحو المطاعم الأفغانية القديمة المعروفة بكل رثاثتها ولكنها لاتزال ناجحة منذ عشرات السنين. قل مثل ذلك في بقية الصناعات، ومنها «صنعة الإعلام».
أتعجب من كثافة برامج «البودكاست» التي تطرح، يكاد يكون لكل مواطن بودكاست. خلع الشماغ، التشمير عن السواعد. الميكرفون الذي أمام اثنين متجاورين. الحديث ببطء ممل. السماعات الكبيرة على الجمجمة، وبصوت خفيض يشبه فحيح الثعابين وكأنهم سيعلنون عن نظرية كونية يديرون الحوار. هذا النوع من البرامج بات مملاً، حتى الناس تململوا، أقرأ الكثير من التعليقات على «اليوتيوب» وهم يعلقون على هذه البرامج من أناس عاديين يسخرون من هذه الكثافة. لماذا لا يأتي الإعلامي بفكرة أخرى تتجاوز هذه الفكرة التي أتخم منها المجتمع؟! ابحثوا عن أفكار جديدة
. والأخطر من ذلك أن جلّ برامج «البودكاست» مخترقة من تيارات الإسلام السياسي... نعم من تيار «الإخوان المسلمين»، حتى وإن عتب البعض معتقدين أننا ننتقدهم بالخفاء، وتصلهم انتقاداتنا عبر النمائم. لا... إن هذه البرامج محتلّة ومَسْطُوُّ عليها وممتطاة من قبل جماعة «الإخوان المسلمين»، حتى وإن حلق البعض لحيته، أو بدا في هندامٍ حديث، فهذه خاصيّة الإخوان المسلمين يمارسون شتى الكوارث ولكن عينهم على السياسة.
«الإخوان» يتعاطون المسكرات، واتهموا بقضايا اغتصاب، ويمارسون شتى البذاءات ولكنهم من «الإخوان»، سلوكياتهم خارجة عن مشروعهم هذه فكرة لا بد على الجيل الصاعد أن يعيها. ثمة برامج تعنى بالطبخ مثل «الاستراحات» التي تبثّ عبر السناب شات، معظم القائمين عليها يمررون رسائل سياسية أثناء الطبخ أو «الكشتات»، أي الرحلات البريّة، وهذا لا بد من الانتباه له.
«الإخوان» يتلوّنون ويلبسون لكل حالةٍ لبوسها، فليس شرطاً أن يظهروا عن طريق الكاسيت كما في المرحلة القديمة، ولا عن طريق الحقول والخيول في تركيا، أو عبر البرامج التلفزيونية الرمضانية، بل الآن لهم شوطهم وسباقهم في التطبيقات الحديثة مثل «السناب شات» أو «التيك توك».
حقيقة صادمة، البودكاست المتضخّم اليوم، يسيطر على صناعته في العمق التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين»، حتى وإنْ بدو بزيّ غير الذي اعتاد عليه المجتمع، فالحذر الحذر من هذه الحيلة الجديدة، ولا بد من الانتباه والتمييز من قبل المؤسسات والمسؤولين.
*كاتب سعودي