محمد سليمان العنقري
منذ تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 لم يشهد العالم استقراراً حقيقياً وأصبح شعار السلام كالسراب الذي تلاحقه دون جدوى، لكن يعود سبب ذلك إلى إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد الذي تحاول أمريكا أن تكون قطبه الوحيد، بينما تنظر كل من الصين وكذلك مجموعة دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وريثة السوفييت أنهم أقطاب كبار ومؤثرين عالميين، وأن تعدد الأقطاب سيضمن توازناً دولياً واستقراراً حقيقياً. وقد تطورت الأحداث خلال الثلاثة عقود الماضية ضمن سياق البحث عن مكانة دولية من قبلهم ليكونوا نداً لأمريكا التي بدورها بدأت تتحرك لتعزيز مكانتها كأقوى دولة عالمياً بكافة المجالات.
لكن الأحداث التي تسارعت وتيرتها في السنوات القليلة الماضية تعد هي الأخطر في صراع هذه القوى الكبرى، فأمريكا مثقلة بالديون السيادية التي تخطت 36 تريليون دولار وعجزها التجاري أصبح مزمناً وكذلك العجز بميزانيتها الفيدرالية يتوسع سنوياً، كما أنها باتت تنظر بقلق شديد على مستقبل الدولار الذي يعد عملة الاحتياط الأولى عالمياً، فقد تراجعت مكانته وفقد حصة منها لصالح اليورو واليوان الصيني وغيرها من العملات للاقتصادات الكبرى، كما أن منافسها الاقتصادي الأول الصين أصبح موجوداً بقوة في جغرافيا العالم بشراكات تجارية واسعة عبر مبادرتها الحزام والطريق، ووصلت بكين للحديقة الخلفية لأمريكا في دول أمريكا الجنوبية مما عزز نفوذها بالتجارة الدولية لتصبح حصتها منها 19 بالمائة وبفارق كبير عن أمريكا ودول أوروبا، إضافة إلى توجه الصين للاستقلال التكنولوجي عن أمريكا تحديداً مما سيعني انتقالها لعصر جديد من التطور الاقتصادي يسمح لها بالتوسع بصناعات كبرى مدنية وعسكرية وكذلك طبية، إضافة إلى ارتفاع كبير بإنفاقها العسكري أدى لتطور مهم جداً في أسلحتها وقدرتها على الانتشار خارجياً؛ مما أوصلها لأماكن تعتبرها أمريكا تهديداً لأمنها القومي وهو ما يفسر رغبة ترامب بضم جزيرة غرينلاند الاستراتيجية، حيث منها يمكن أن تكون سواحل أمريكا مكشوفة للصين وحتى روسيا اللتين تجوب قطعهما البحرية العسكرية حول غرينلاند.
فتحرك أمريكا الأخير في فنزويلا واعتقال رئيسها يعد تطوراً كبيراً جداً في توجهاتها المربكة للعالم بحجة تعزيز أمنها القومي والاجتماعي، حيث تتهم أمريكا فنزويلا بأنها ترتبط بعلاقات مع الصين وروسيا تسمح بوجودهم حولها عسكرياًن إضافة للاتهام الآخر بانها منصة تصدير المخدرات لأمريكا، لكن كل ذلك يندرج أيضاً تحت تحركات الحفاظ على بقاء أمريكا بقمة العالم اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، حيث تستغل فائض القوة الهائل لديها للتمكين دولياً على الأرض وليس بالفضاء والعالم الرقمي فقط، وتندرج مواجهتها لأوروبا في غرينلاند التي تقع تحت حماية الدنمارك إضافة للتحكم بقرارات مؤثرة في حرب روسيا وأوكرانيا التي تتضرر منها أوروبا كثيراً، بينما أمريكا تكاد تكون المستفيد الأكبر منها حتى لو لم تسعَ لذلك إلا أن تأخر أوروبا بالاستقلال العسكري عن أمريكا أدى لضعف موقفها في هذه الحرب، وأصبحت بحاجة للدور الأمريكي لمواجهة ثاني قوة عسكرية بالعالم روسيا التي تقع أيضاً تحت ضغط العقوبات الاقتصادية مما يمنع تعزيز تقدمها في مجالات عديدة ويحد من عودتها لتكون المنافس الأول لأمريكا كما كانت سابقاً في العهد السوفيتي، في الجانب العسكري تحديداً الذي سيتيح لها الانتشار دولياً وتحقيق مكاسب اقتصادية حيث تتعطل مشاريعها تحت وطأة حربها مع أوكرانيا التي تكمل عامها الرابع الشهر القادم دون حل عسكري أو سياسي.
أما سلاح الرسوم الجمركية الذي تلعب به أمريكا كورقة ضغط على شركائها التجاريين الكبار الصين وأوروبا وكندا والمكسيك واليابان وكوريا الجنوبية والهند فهو لتحقيق عدة أهداف تدخل ضمن صراع الهيمنة العالمية والتفرد بقيادة العالم، حيث ترغب بتقليص عجزها التجاري معهم تمهيداً لمعالجة حلول دينها السيادي، لكن أيضاً هي بذلك تعطل نموهم الاقتصادي مما يضعهم دائماً خلفها وكذلك يبقي القوة للدولار وتوجه الاستثمارات لأسواقها، إضافة لتحقيق أهداف سياسية تخدم اقتصادها وأمنها القومي حيث تتحرك أمريكا أيضاً نحو إعادة بناء شراكاتها الخارجية في مناطق جغرافية مختلفة سواء في أسيا أو أفريقيا مع دول اقتصاداتها ناشئة وواعدة وتمثل مستقبلاً أفضل لشراكاتها وصادراتها من البقاء مع أوروبا أو الصين، لأنهم أصبحوا منافسين ليس فقط في التجارة الدولية أو التقدم التكنولوجي بل فيما يمثل أخطر تحدٍّ لها وهو بقاء الدولار سيد عملات العالم؛ لأن منافسيها يطمحون لكسر هيمنتها الاقتصادية مدركين أن ذلك سيضعف أمريكا ويفقدها أوراق قوة كبرى في كل المجالات لا تمكنهم من تحقيق المكانة التي يسعون لها ما دامت هي الأقوى فيها.
العالم يولد من جديد بنظام عالمي ما بين دولة تريد أن تكون القطب الأوحد ودول وتكتلات تريد نزع هذا النفوذ منها، والمسرح الجغرافي الدولي هو المكان الحاسم لكل الأطراف المتصارعة، حيث يحاولون إدارة هذه المواجهات المعلنة والخفية ببعض توجهاتها دون الاضطرار إلى نشوب حرب عالمية ثالثة، ولكل منهم استراتيجيته وطريقته، لكن أمريكا تبقى هي التي تتحرك بقوة كبيرة حالياً مستخدمةً كل أدواتها وممكناتها ولا ترى أي خط أحمر أمامها في سبيل حفاظها على مكانتها الدولية، فهذا ما يبدو على أقل تقدير بل تنفذ استراتيجيات ولدت فكرتها من أربعينيات القرن الماضي مثل استراتيجية أطراف الأرض ومفاتيح الجغرافيا للتواجد في أوراسيا والشرق الأدنى.
يبقى السؤال، متى يستقر العالم؟ قد يكون الجواب صعباً في تحديد مدة زمنية له لكن من الواضح من التوجهات الأخيرة أن رؤية النظام الدولي الجديد ومراكز الثقل فيه وترتيبها بات قريباً جداً، وفي بحر خمسة إلى عشرة أعوام قادمة على أبعد تقدير.
