فيلم (الست) السيدة أم كلثوم المتربعة على قمة الغناء العربي حتى بعد وفاتها أخذني للحديث عن أغاني أم كلثوم من زاوية مختلفة، من حيث عناوين أغانيها ومحتوياتها. تساءلت هل الشاعر هو الذي يختار العنوان أم تقترح الست عنوانا آخر؟ هل القصيدة المغناة تعبر عن مشاعر وحالة الشاعر أم المغنية، أم هي تعبر عن حالة المستمعين كل حسب حالته المتفقة مع محتوى الأغنية؟ هل معظم الأغاني سواء أغاني أم كلثوم أو غيرها مفعمة بالعتاب والحزن والحيرة؟ هل يقول الشاعر أو المغني أو المستمع (أروح لمين) أم يقول (أنت فين والحب فين) أم (يا مسهرني) أم يتغزل بالمحبوبة فيقول (يا أغلى من أيامي، يا أحلى من أحلامي)؟ كل مستمع يطرب أو يتألم من خلال الأغنية (القصة، القصيدة) التي تعبر عن حالته فقد يقول لمن يحب (لسه فاكر) أو يقول له (فات الميعاد) أو يقول لنفسه (يا فؤادي لا تسل أين الهوى، كان صرحا من خيال فهوى).. هل فات الميعاد على المستمع المحب فبحث عن أغنية (ذكريات) أم يستمتع باللحظة (هذه ليلتي)؟ هل يعتذر ويتودد وينكر النسيان (أنساك.. يا سلام)؟ أليس من الملاحظ أن المستمع السعيد يطرب حتى لأغاني أم كلثوم الحزينة؟!

تجتمع في أغاني (الست) قوة الكلمة وقوة اللحن وقوة الأداء، الكلمة قصة، اللحن طرب، الصوت جميل، هكذا هي أغاني أم كلثوم، صرح لم يتحول إلى أطلال، صامد جاذب لكل الأجيال في كل أرجاء العالم العربي. لم يتحقق ذلك بسهولة فقد دعمت موهبتها بالجدية والانضباط والاستعداد الدقيق من خلال بروفات طويلة.

بلغت أغاني أم كلثوم أكثر من 300 أغنية متنوعة ومنها أغانٍ دينية ووطنية، من أبرز أغانيها الدينية أغنية (القلب يعشق كل جميل)، شعر بيرم التونسي ولحن رياض السنباطي. ليس غريبا أن الأغاني الرومانسية الجميلة يطرب لها المستمع حتى وإن كانت غارقة في الحزن واليأس (هجرتك)، (لسه فاكر)، (ما خطرتش على بالك يوم).. هل تسيطر نبرة الحزن والتشكي والعتاب والحب من طرف واحد على الأغاني العربية فقط أم هي سمة عاطفية لا جنسية لها؟ فات الميعاد على أم كلثوم فلجأت إلى (ذكريات، كيف أنساها وسمعي لم يزل يذكر دمعي)، تعلقت بخيط أمل (أغدا ألقاك) لأن الحياة بدون الحبيب صعبة (بعيد عنك حياتي عذاب)، عانت من البعد والشك (ثورة الشك)، ثم اعتادت على النسيان لكنها فرحت بمن فكرها بأيامها الجميلة (فكروني)، فعادت لها البهجة (ألف ليلة وليلة)، (أنت عمري)، وتفاءلت (أمل حياتي).

في أغاني أم كلثوم نجوم وليس نجما واحدا، يتنافس اللحن مع الكلمة، مع الصوت، لا ليست منافسة إنها لوحة فنية لا يمل المشاهد من النظر إليها، لوحة يبدع في رسمها الشاعر والملحن والصوت.

أبدع فريق أم كلثوم في الأغاني الدينية في الكلمات واللحن والأداء، ومن تلك الأغاني، ولد الهدى، إلى عرفات الله، سلوا قلبي، القلب يعشق كل جميل.

في قصة أم كلثوم تتساءل: (أروح لمين)؟ الإجابة في سيرتها؛ فقد اتجهت إلى الفن الراقي وأخلصت لموهبتها بمعايير قوية في اختيار الشاعر والملحن، فكان المنتج فناً تتناقله الأجيال، سيرتها كانت ظاهرة فنية وقصة نجاح مكتمل الأركان.