درستُ الإعلامَ في جامعات أمريكيَّة، ومارستُ تدريسه لطلَّابي في جامعاتنا، وكان الإعلام الأمريكي حاضرًا دائمًا في محاضراتِي؛ بوصفه نموذجًا متقدِّمًا للمهنيَّة والاحتراف، ومثالًا يُحتذَى في حماية الصحفيِّ من التدخُّلات والضغوط المختلفة، وفي ترسيخ معايير صارمة للفصل بين الخبر والرَّأي، والالتزام بالتحقق والدقَّة والمساءلة. غير أنَّني أجدُ نفسي اليوم، وللمرَّة الأُولى، متردِّدًا في استدعاء هذا النموذج بالثقة ذاتها، بل وأشعرُ بقدر من الحرج عند تقديمه، كما كنتُ أفعلُ سابقًا.
هذا التردُّد لا ينبعُ من انطباع شخصيٍّ عابر، بل من تحوُّلات عميقة طرأت على بنية الإعلام الأمريكي ووظيفته الاجتماعيَّة، وأعادت طرح أسئلة جوهريَّة حول مستقبل الصحافة، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في العالم أجمع، بحكم ما يمثِّله هذا الإعلام من ثقل رمزيٍّ وتأثير عابر للحدود.
لطالما شكَّل الإعلامُ الأمريكيُّ مرجعًا عالميًّا لمعايير العمل الصحفيِّ، لا سيَّما فيما يتعلَّق باستقلال غرف الأخبار، وحماية الصحفيِّين، وبناء الثقة مع الجمهور، إلَّا أنَّ السنوات التي رافقت صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة، كشفت عن تصعيد صادم وغير مسبوق في الخطاب العدائيِّ تجاه الصحافة، حين وُصفت مؤسَّسات إعلاميَّة عريقة بأنَّها «عدُّو الشَّعب»، وتكرَّرت حملات التشكيك في نزاهة الصحفيِّين ومصداقيتهم، باستخدام لغة حادَّة، وعبارات قاسية لم تكن مألوفةً يومًا في التاريخ الأمريكيِّ الحديث.
ولم يكن هذا الخطاب مجرَّد خلافٍ سياسيٍّ مشروعٍ مع وسائل الإعلام، بل تحوَّل إلى أسلوبٍ ممنهجٍ لتقويض الثقة بالصحافة، بوصفها مؤسَّسة رقابيَّة، الأمر الذي انعكس مباشرةً على بيئة العمل الصحفيِّ، فقد وجد الصحفيُّون أنفسَهم يعملُونَ في مناخ شديد الاستقطاب، يتعرَّضُون فيه لإساءات لفظيَّة جارحة، وتهديدات شخصيَّة، وضغوط نفسيَّة ومهنيَّة، دفعت بعض المؤسسات إلى إعادة حساباتها التحريريَّة، وأحيانًا إلى الوقوع في فخِّ الإثارة أو الاصطفاف، على حساب المعايير المهنيَّة التي طالما ميَّزت التجربة الصحفيَّة الأمريكيَّة.
تأثير هذه التحوُّلات لا يقتصر على غرف الأخبار وحدها، بل يمتد بوضوح إلى قاعات المحاضرات في كليَّات الصحافة والإعلام، فالنموذج الذي كان يُدرَّس لسنوات بوصفه مثالًا للاستقلاليَّة والمهنيَّة، بات اليوم محلَّ تساؤل ونقاش نقديٍّ. ويواجه الأكاديميُّون تحدِّيًا حقيقيًّا في الإجابة عن أسئلة الطلاب: هل ما ندرسه هو واقعٌ مهنيٌّ قائمٌ، أم إرثٌ تاريخيٌّ آخذٌ في التآكل؟ وهل الأزمة التي يشهدها الإعلام الأمريكي هي أزمة مرحلة عابرة، أم أزمة نموذج لم يعد صالحًا في ظل الاستقطاب السياسيِّ، واقتصاد المنصَّات الرقميَّة، وضغوط السوق؟.
القلق الحقيقي، في هذا السياق، يتجاوز الداخل الأمريكي. فالإعلام الأمريكي، بحكم تاريخه ومكانته، ظلَّ يُقدَّم في كثير من دول العالم، باعتباره مرجعًا عند الحديث عن حريَّة الصحافة واستقلالها. وعندما تصبح مهاجمة الإعلام، والتشكيك المنهجي في الصحفيِّين، ممارسة مقبولة، أو مُبرَّرة في دولة تقود الخطاب الديمقراطي عالميًّا، فإنَّ الرسالة التي تصل إلى الخارج تكون بالغة الخطورة، إذ يتحوَّل النموذج من مصدر إلهام إلى ذريعة للتراجع وتطبيع الأخطاء الإعلاميَّة وشرعنتها.
من هنا، فإنَّ تدهور الإعلام في الولايات المتحدة لا يمكن النظر إليه بوصفه شأنًا داخليًّا محضًا، بل هو قضية عالمية تمس مستقبل الصحافة ودورها في حماية الحقيقة والحفاظ على قيم الإعلام ومعاييره، وهو ما يفرض على المهنيِّين والأكاديميِّين، معًا، مسؤوليَّة إعادة التفكير في النماذج التي تقدم للأجيال الجديدة: لا بهدف تشويه التجربة الأمريكيَّة، بل بهدف تفكيك أزمتها، والتمييز بين ما كان إنجازًا مؤسسيًّا بارزًا، وما أصبح اليوم درسًا نقديًّا يستدعي التوقف عنده بوعي وبفكرٍ علميٍّ، قادر على تقييم التجربة واستخلاص النتائج منها.
