400 عام على ذكرى مؤامرة البارود لتفجير البرلمان
بريطانيا تشعل السماء ناراً ديموقراطية
| لقطة لحرق مجسم غاي فوكس |
وبريطانيا التي يؤكد نشيدها الوطني منذ مئات السنين على الحرية والحياة الانسانية الرائعة والدعوات بالحياة للملكة أو الملكة حرصت على أدبية سياسية تلتزم بها في ذلك النشيد "المجد لنا وسنظل أحرارا ولن نعود عبيدا أبدا"، تحتفل في كل عام على طريقتها الخاصة بتلك الليلة المشهودة التي لا عوض لها وستمتد مهما امتدت حياة على أرض الإنجل والساكسون الذين يستذكرون المناسبات بإشعال السماء بالعاب نارية تتطور أشكالها كل عام مع تطور التكنولوجيا تعبيرا عن تمسكهم بتاريخهم والتاكيد على الدفاع عن مكتسباتهم وهي من منجزات الأجداد.
ولاحتفال البريطانيين في هذه المناسبة تقاليد خاصة يحرصون على أدائها منذ اربعمائة عام وهم يطورونها حسب مقتضيات الظروف حتى أنها صارت جزءا من المناهج التعليمية ونشاطاتهم الاجتماعية والأسرية في تلك الليلة، ويتعين على الجميع شيبا وشبابا وأطفالا ونساء المشاركة في إطلاق الأسهم النارية سواء في حدائق المنازل أو الحدائق العامة، فتصبح السماء لأكثر من أربع ساعات كتلة من الوهج الملون يغطي مجموعة درب التبان التي ترى واضحة وبالعين المجردة في ليال خريف بريطانيا الباردة.
ويرتبط في العادة إحباط مؤامرة حرق مجلس اللوردات واغتيال الملك جيمس الأول (الذي يعرف أيضا) بـ (جيمس الخامس) حيث حكم اسكوتلندا وإيرلندا قبل الاتحاد مع انكلترا إثر خلافته للملكة اليزابيث الأولى العام 1605 على مدى القرون الأربعة باسم شخص واحد هو غاي فوكيس Guy Fawkes الذي خطط لاغتيال الملك الجديد، رغم أن قائد المؤامرة كلها هو روبرت كاتسبي، لكن البريطانيين اختصوا هذا المتآمر اللعين غاي بكل لعنات الاحتفال.
وكانت الأعراف تقضي ببناء مجسم بشري من أقمشة وملابس رثة بالية يطلق عليه اسم غاي، وتشعل النيران فيه بعد تشويهه بصور ورسومات شيطانية خبيثة، ومن ثم تبدأ الحرائق بالاشتعال في كل مكان،، ولكن التطورات التكنولوجية والتحولات الاجتماعية أضافت بعدا جديدا، حيث اعتمدت الألعاب النارية في الهواء الطلق ليلا في الساحات العامة مصاحبة للمفرقعات الصوتية التي تشبه حين إطلاقها صوت المدافع والتفجيرات الناجمة عن تفجير براميل البارود في الأماكن المغلقة.
ويطلق البريطانيون على الاحتفالات هذه اسم "الالعاب النارية في السماء المكشوفة" أو بالانكليزية bonfires ، وكان المتآمرون مجموعة من الكاثوليك المنشقين على الحكم الملكي البروتستانتي الذي اعتنقه الملك البريطانيون منذ الملك هنري الثامن الذي كان احتج على ممارسات الفاتيكان الكاثوليكية ضده لزيجاته المتعددة.
وبلغت الزوجات ستاً هن:
كاترين من أراغون (Catherine of Aragon) عاشت (1485-1536
آن بولين (Anne Boleyn) عاشت (1507-1536
جاين سيمور (Jane Seymour) عاشت (ح.1509-1537
آن من كليفز (Anne of Cleves) عاشت (1515-1557
كاترين هووارد (Catherine Howard) عاشت (ح.1512-1542
كاترين بار (Catherine Parr) عاشت (1512-1548
وكان الكاثوليك في مؤامرتهم لاغتيال الملك الجديد جيمس الأول (وهو من أم كاثوليكية) ، راغبين بالثأر من اعمال القتل والقمع والمطاردة التي شهدها عهد الملكة اليزابيث الأولى التي كانت توفيت في العام 1603 بعد خمسين سنة متربعة على العرش.
والملك جيمس لأول (كان مولود في إدنبرة 1566- وتوفي في هِيرفوردشِيربإنكلترا 1625 م) هو كان ملك إنكلترا وآيرلندا (1603-1625 م) وملك اسكتلندا أيضا (1567-1626 م) باسم "جيمس السادس"، والدته هي الملكة ماري ستيوارت.، وبعد أن أنهى مرحلة الطفولة عام 1583 م، تسلم مقاليد الحكم في اسكتلندا، وأفلح في أن يعيد إلى السلطة الملكية سيادتها. بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية، عام 1603 م، انتقل إليه عرش إنكلترا عن طريق جدته الكبرى مارغريت تيودر ابنة الملك هنري السابع.
وكانت جماعة من الكاثوليك نظمت مؤامرة لنسف البرلمان بالبارود (1605 م) عند حضور الملك جيمس ، إلا أنه نجا بأعجوبة. قام بمطاردة فلول البيوريتان (puritan)، وهم جماعة انشقت عن البروتستانت كانت لها مطالب متشددة إزاء إصلاح الكنيسة، ثم عجل في إرسالهم إلى المستعمرات الجديدة في أميركا. كان الملك منحازا جدا إلى "دوق بِكنغهام" (Duke of Buckingham)، والذي كان له أعداء كثر في البرلمان، كانت أفعالُه وأقوالُه (أي الملك) قد جعلته غير مرغوب فيه بين رجال البرلمان، كان يعلن عن نيته عقد تحالف مع أسبانيا (الكاثوليكية)، ومما ينسب إليه قوله أن حقه الملكي هو حق إلهي. خلفه على العرش ابنه الثاني تشارلز الأول.
خطة اغتيال شاملة
وكانت خطة أولئك الشباب الكاثوليك ليس فقط اغتيال الملك بل أمير ويلز ولي عهده وعدد من أعضاء البرلمان، بتفجير مجلس العموم بمادة البارود عبر زرع 36 برميل منها في مخازن الطبقات السفلى للمجلس المحاذي للضفة الشمالية لنهر التيمز. وهذه المجموعة لو حاولت تنفيذ مؤامرتها اليوم لاتهمت فورا بأنها إرهابية أو متشددة، تيمنا بما يقوم به الارهابيون المتشددون في أماكن أخرى من العالم سواء كانوا إسلاميين أو من مذاهب أو أيدولوجيات أخرى.
والواضح أن المؤامرة لم تنفذ بالكامل، حيث أن الملك نجا من بعد تلقي أحد خلصائه وهو اللورد مونتيغل رسالة وقعها سبعة من المتآمرين حذروه فيها من الذهاب للمجلس في ذلك اليوم، وبلغ اللورد ملكه الجديد على الفور، ولم يتوجه إلى مقر البرلمان الذي كان يلتقي فيه عادة مع رجالاته ومستشاريه لدرس قرارات تتعلق بمصير البلاد وتوجيه سياساتها.
وفي ليلة تنفيذ وضع خطة تنفيذ التفجير المحبطة، أغرت قوات من الأمن على مخازن مجلس اللوردات، حيث كان يتحصن غاي فوكيس وعدد من أنصاره للتجهيز لاشعال ملح البارود، والقي القبض عليه مع جماعته حيث اعترفوا باسماء المتورطين الآخرين وجرى إعدامهم بالمقصلة في سجن جسر لندن المقام على نهر التيمز ولا يزال شاهدا على عصور خلت من التاريخ البريطاني العريق بمساوئه وخيراته.
يشار إلى أن تلك المؤامرة المحبطة التي صارت ذكرى تاريخية في بريطانيا لا تزال تشكل العامل الحاسم في الخصومات المذهبية بين الغالبية البروتستنيتة والأقلية الكاثوليكية في إنكلترا وويلز وعدد من المقاطعات البريطانية الأخرى، لكنها بكل تأكيد كانت وراء إشعال حروب دامية لقرون بين البريطانيين والإيرلنديين الذين ظلوا مستعمرين للمملكة المتحدة حتى العام 1920 مع احتفاظ هذه الأخيرة بالقسم الشمالي من إيرلندة التي يطلق عليها حاليا اسم مقاطعة ألستر.
وتجري الاحتفال بذكرى 5 نوفمبر ليس في انكلترا وحسب، بل أن احتفالات تجري في نيوزيلندة ونيوفاوندلاند في كندا، ونيوإنغلند في أستراليا التي تطلق على الذكرى اسم "يوم البابا"، إضافة إلى مناطق كثيرة في العالم هاجر لها عدد من البروتستانت.
وفي الأخير، فإن محاكمة المتهمين ابتدأت في يناير العام 1606 في قاعة بلدية ويستمنستر حيث مبنى البرلمان وبلغ عدد المتهمين أكثر من مائتي شخص في طول انكلترا وعرضها، وتراس جلسات المحكمة السير إدوارد كوك بتوجيهات من اللورد سيلزبوري الي كان نائبا عاما، وصدرت أحكام بإعدام العديد منهم بأساليب مختلفة عن الأسايب المتبعة آنذاك في تنفيذ قصاص الإعدام، فبعضهم أحرق وبعضهم أعدم بقصل جزء من جمجمته والآخر بقصل رقبته بينما شنق آخرون لأوقات طويلة حتى ماتوا . ومنذ ذلك التاريخ بدأ عهد بريطاني جديد.
