نبيل شرف الدين من القاهرة: مازالت تتواتر الأنباء في مصر عن "صفقة ما" تبرمها جماعة "الإخوان المسلمين" مع الحكومة، على الرغم من النفي القاطع لكل من قادة الجماعة ومسؤولي الحكومة لهذه الصفقة، غير أن هناك شواهد عدة على التهدئة من قبل الجماعة من جهة، وإحجامها عن المشاركة في "حمى التظاهرات" التي تسود الشارع المصري، وفي المقابل فإن الإفراج عن معتقلي الإخوان يجري على قدم وساق على دفعات، وإن لم تطلق السلطات سراح القيادي عصام العريان عضو مجلس الإرشاد، ومحمود عزت الأمين العام لمكتب الإرشاد، باعتبارهما "آخر بنود الصفقة"، كما يروج أنصار "نظرية الصفقة" بين الإخوان والسلطة، الذين يستندون في رؤيتهم إلى أن سلوك قادة الجماعة طالما اتسم بالبراغماتية وأنهم أبرموا من قبل عدة صفقات مماثلة.
وبعيداً عن "حديث الصفقات" وفي بؤرة الأحداث من الداخل، فلعل ما يجري في كواليس الجماعة الأكبر والأقدم من نوعها في العالم الإسلامي، لا يقل أهمية عما يجري بينها وبين السلطة، إذ حملت مجموعة من "شباب الإخوان" على ممارسات قادتها، الأمر الذي جدد الحديث عن ظهور ما بات يطلق عليه "التيار التجديدي" داخل الجماعة، وأثارت جدلاً بين دعوة الجماعة الى تجديد فكرها ومسلكها على غرار ما قام به تنظيم "الجماعة الإسلامية" من "مراجعات فكرية"، وبين معارض لهذا الاتجاه من منطلق انهم ليسوا بحاجة إلى اعتذار عن فعل أو سلوك قاموا به، فلم يسببوا ضررا للمجتمع خلافاً لـ "الجماعة الإسلامية"، وغيرها من الحركات الراديكالية .
عمليات محسوبة
ويأتي هذا الجدل إثر عمليات نوعية محسوبة من جانب السلطات المصرية استهدفت ملاحقة "الكوادر الحركية" في الجماعة، بينما يتم التغاضي عن رموزها، وإن بدت الدائرة تضيق حول "جيل الرموز"، كما تشير القضية الأخيرة التي ضمت بين المتهمين فيها عدداً من القياديين البارزين، جاء في مقدمتهم عصام العريان، الذي يعتبره البعض بمثابة "المنسق السياسي" للجماعة، وأمينها العام محمود عزت، الرجل القوي داخل الإخوان .
ووسط هذا المشهد بدا أن تيار التجديد من شباب الجماعة راح يعبر عن نفسه من خلال عدة منابر إعلامية تأتي في مقدمتها شبكة الإنترنت، ويحاول جمع الصفوف حول أفكار وليس أشخاصاً كما تعودت تنظيمات الإسلام السياسي ان تفعل على مدى تاريخها .
وينطلق هذا التيار من فكرة أساسية مفادها أن الجماعة ظلت طيلة خمسة وسبعين عاما لم تحقق أهدافها، لافتاً إلى أن السبب في ذلك يدور بين واحد من أمرين، إما أن الطريق خطأ، وإما أن القائمين على الجماعة ليسوا أهلا لقيادتها، وهل الجماعة على وشك التحول إلى اتجاه العمل السري مجدداً خاصة بعد تنام واضح لمن يطلق عليهم القطبيين (المتشددين)، فضلاً عن توجيه التيار التجديدي هذا انتقادات صريحة وموجعة للحرس الحديدي للجماعة، ونمطية العمل في صفوفها، ومنها على سبيل المثال هذه الرسالة التي تلقت (إيلاف) نسخة منها، والتي تضمنت انتقادات مريرة ممهورة بتوقيع عدد ممن أطلقوا على أنفسهم صفة "شباب الإخوان"، كما سيأتي تفصيل ذلك .
انتقادات للمرشد
الأخ الحبيب صاحب السبق والعلم والحلم والفهم أستاذنا فضيلة المرشد تحية من عند الله مباركة طيبة تظللها رحمات الله عز وجل إليك وإلى إخواننا , نثق فيك وفيهم , فكلكم كلكم بإذن الله تعالى متوقد الذكاء , يقظ الفؤاد مرهف الذهن, آية في الحكمة والعلم .
إننا أيها الأخ الحبيب مجموعة من الشباب نعتبر أنفسنا أبناء لك في الدعوة , اخوة لك في الله , إجتمعنا على محبته , وظللتنا رايته , استمعنا ونحن بعد صغار لإخواننا الذين سبقونا في الدعوة وهم يهتفون بشعار سيطر على مشاعرنا, وخلب لبنا، وهو " القرآن دستورنا والرسول زعيمنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا " فانخرطنا في جماعتنا, تلك التي نرى أنها جمعت مناحي الإسلام واجتمعت على الحق فجعلنا همنا الأكبر التضلع من كتاب الله, والتزود من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم .
نصيحة
ولا نخفيك سراً والدنا المرشد أننا استبصرنا في واقع الإخوان، ما لانحب او نرضى, ورأينا في مسار حركتنا ما أحبط فؤادنا وما أقض مضاجعنا, ولذلك رأينا أن نتوجه لك ولإخواننا بالنصيحة في الله مصداق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أورد الإمام مسلم في صحيحه بسنده "الدِّينُ النَّصِيحَةُ , قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ : للهِ ولِكتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
وإذا كنا نقف على ثغر من ثغور الإسلام ونسعى إلى صلاح وإصلاح الأمة, فإنه ينبغي أن تعلم أن المصلح لا يعد مصلحاً حتى ينبه الناس من غفلتهم, ويحملهم على أن يتركوا ما ألفوا من ضار, أو يعتنقوا ما كرهوا من صالح, وهو في أغلب أمره مغضوب عليه ممقوت، ولكننا نقولها دون أن نخشى في الله لومة لائم, نقولها رغبة منا في تثبيت القواعد واستكمال البناء, فلا تظنن في أبناءك سوء القصد أو شر الطوية
أما عن نصيحتنا لكم, فإن مسار جماعتنا خرج عن طريقه المِرصَاد, وغاب عن المَحجَّة, وكم نظرنا بأبصارنا لتاريخنا الحديث فارتد إلينا البصر وهو حسير, ذلك أننا ألفنا العمل بالسياسة وتركنا أصل الدعوة , فعاقت السياسة حركتنا .
فإذا كنا نحسب أنفسنا كتيبة خرجت في سبيل الله في جحفلٍ لُهام , إلا أنها كتيبة رجراجة لا تكاد تمخض ولا تكاد تسير , فماذا جنينا من السياسة إلا كل نقيصة دساسة فها هي السجون ترزح بإخواننا, وإنا والله لا نخاف السجون والمعتقلات إلا أن كل شيء له قدره وله تقديره والعاقل من دان نفسه والحكيم من حكم خطواته حتى لا تتفرق به السبل .
ماضي
ومضت رسالة "شباب الإخوان" قائلة في معرض مخاطبة مرشد الجماعة : إخوانكم أيها الأخ الجليل والعالم النحرير يدعونكم إلى تقديم الدعوة على سائر الأمور, واستشار في ذلك إخواننا الذين سبقونا , وما علم العالم الحبر شيخنا وشيخ شيخنا الأخ عبد الستار فتح الله عنكم ببعيد فهو علم كما يقولون محتد أثل .
ونرفق بك وبإخواننا حين نقول أننا أضعنا في سنواتنا الأخيرة إخوانا لنا ساروا على دربنا وحين اختلفنا معهم قطّعنا جلودهم تقطيعاً ومزقنا سيرهم تمزيقاً , وأهلنا عليهم من نقمتنا وغضبنا حتى أصبحت هذه النقمة حديث العامة والخاصة.
فالمهندس أبو العلا ماضي الذي كان بالأمس نجماً باسقاً في سماء الدعوة أصبح اليوم – كما يقال لنا في أُسَرِنا وكتائبنا – عميلاً لأمن الدولة وعابد لنفسه ومفارق للجماعة, وإذا مات على ما هو فيه سيكون قد مات ميت جاهلية بل قال عنه الأخ الوالد مسعود السبحي إنه سرق مال الدعوة وغصب لنفسه مركز الدراسات الذي كان مملوكاً للإخوان، ومن هول ما سمعنا سأل أحدنا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن هذه النقيصة التي ألصقت بأخينا فقال إنها فرية لا أصل لها .
نوح
والأخ مختار نوح الذي كان فاتحاً وغازياً ومقدماً أصبح اليوم من خُشَارة الناس وخِشاش الطير وخبث الحديد , وقد وصلنا من الأخ راضي والمهندس هشام خضر والأخ مسعود والأخ عويس أنه تم فصله من الإخوان، فهل أصبحت جماعتنا أيها الأخ الكريم شركة طاردة لأبنائها الذين أقاموا صرحها وهل يتسرب الإخوان من جماعتنا كما يتسرب الماء من الأصابع ؟ لنا الله يا مرشدنا .
أما الطامة الكبرى فهي ما يتردد عن إبعاد الأخ عبد المنعم أبو الفتوح, وقد تقابل أحدنا وإياه وطلبه لكتيبة لكنه ابتسم ولم يعقب, وطلب منه أن يرجع إلى الأخ المسؤول، وعندما عاد قيل له "لقد ارتكبت أمراً جللاً فليس لك أن تدعوه فلست أهلاً لذاك, كما أن إخواننا طلبوا منا عدم تقديمه في الكتائب"، وعندما سأل عن السبب قيل له من الأخ خيرت "إن الدكتور عبد المنعم يبحث عن حظ نفسه وأنه ظن أن الدعوة لن تنتصر إلا به فأردنا تغليب المصلحة وتمكينه من واد شيطانه" .
ويتساءل موقعو الرسالة بقولهم : فهل هناك صراعات وبحث عن الإمارة، أنظن السوء بأخينا عبد المنعم وقد قضى من عمره سنوات في السجون وسنوات في الجهاد ؟.
العريان
أما ما حدث مع الأخ عصام العريان فليس له سابقة في تاريخ دعوتنا فالرجل وهو في سجنه نهيل عليه الحصى وننزع منه الأخوة, وقال لنا إخواننا هذا رجل لم ينشد من الدعوة إلا الشُهرة والسُمعة فلا تتبعوه، وقد أحصينا ونحن جلوس عدد الاخوة الذين نعرفهم وتسربوا من الجماعة كالماء فكانوا جمهرة حتى قلنا، وإن تعدوا من خرج من الإخوان لا تحصوهم، فالله الله يا مرشدنا، الله الله يا إمامنا، الله الله يا إخواننا اتقوا الله فينا وفي دعوتنا، فلا تضيعونا ولا تضيعوها .
الأخ المرشد : دار بيننا حوار وضّاح قبل أن نخط هذا الكتاب بيميننا, فلا تظننه رطانة لا أب له, أما الذي تسنم حوارنا وكان غرته وطغي على سواه فهو عن دور الأخ منا في جماعتنا ولا نحسبك بغافل عن غياب تأثيرنا في قرار إخواننا فلا نستشار ولا نُسأل, فإذا قرر إخواننا الخروج في مظاهرة مثلاً لا نعرف لماذا خرجنا، وإذا لم نخرج لا نعرف لماذا لم نخرج ؟ ولم نر مكاناً في الإخوان يختار بالشورى إلا مكانكم أنتم, أما ما عداه فهو بالتعيين حتى مكتب الإرشاد, دون أن يعرف أحد من الذي يختار ولماذا وكيف, ولم يُسأل أحد في منطقة أو شعبة عن رأيه في شيئ, فأصبحنا كمن بإذنه وقر أو كمن بلسانه نقر كالصم البكم أو أشد, فإذا قيل لنا أن المحاذير الأمنية تمنع ذلك قلنا ما قاله المتنبي "والهجر أقتلُ لي مما أراقبه, أنا الغريق فما خوفي من البلل ".
الأخ الكريم : نخشى أن يكون قادة الحق فينا قد ملّوا طريق الآخرة فاستسلموا للدنيا , وأن يكونوا قد استصعبوا الغاية فاستناموا عن الدعوة ونهيب بكم أن تقرؤوا كتاب الدكتور القرضاوي "الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد" ففيه كل ما يعتمل بصدورنا ويدور في عقولنا وهو في العلم كالعارض الهطل, فاجعلوه دستوراً لطريقكم أثابكم الله, نقول هذا ونستغفر الله لنا ولكم , اللهم ارزقنا قلوباً بك مطمئنة ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم وسدد خطانا وفرج كربنا وأبعدنا عن الفتن ما ظهر منها وما بطن .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمود محمد عبد القادر
أحمد عادل
محمد حامد
محمد جودة عبد السلام
وائل محمود عبد الكريم
كمال سيد أحمد
محمد أحمد محمود
فتحي أحمد الشريف
عبد الجواد أحمد
محمد كمال
أحمد محمد نجيب
محمود راضي
محمد محمود بيومي
محمد عبد الحليم
أحمد حسين محمد
محمد خالد
تامر أحمد
غداً، نواصل الحلقة الثانية عن أحوال جماعة "الإخوان المسلمين" من الداخل.
