أشرف أبوجلالة من القاهرة: رأت الكاتبة الصحافية الأميركية البارزة، لورا سيكور، في مقال لها بمجلة quot;النيويوركرquot; الأميركية تحت عنوان quot;فيما وراء ستار الصمت بإيرانquot; ، أن النظام الإيراني الذي وجد نفسه وسط دوامة من الاتهامات على مدار الأسابيع القليلة الماضية نتيجة ممارساته القمعية التي مارسها ضد المتظاهرين الإيرانيين عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في البلاد، قد استطاع أن ينأى بنفسه سريعًا خارج نطاق هذا الحصار، خاصةً في ظل ما هو معروف عن أن الفترة الزمنية التي يبدي فيها الجانب الأميركي اهتمامه بالأزمات الدولية عادةً ما تكون فترات زمنية قصيرة.

وتتابع سيكور بقولها إنه وفي أعقاب نشوب سلسلة الصدامات التي اجتاحت الشوارع الإيرانية بعد الإعلان عن فوز نجاد، بدأ ينحسر اهتمام الإعلام الأميركي بالشأن الإيراني، ليس فقط لوفاة مايكل جاكسون، وتقدم سارة بالين باستقالتها كحاكمة لولاية ألاسكا، وإنما للحملات القمعية التي مارستها السلطات الإيرانية أيضًا ضد المتظاهرين والصحافيين المحليين والأجانب التي قامت بطردهم من البلاد. وتلفت الكاتبة الانتباه إلى ما ذكرته منظمة quot;مراسلون بلا حدودquot;، حيث قالت إن السلطات قامت باعتقال 41 صحافيًا إيرانيًا منذ يوم الثاني عشر من شهر يونيو / حزيران الماضي، كما حذرت المراسلين المحليين الذين يعملون لصالح المنظمات الإعلامية الأجنبية بأن أمامهم ثلاثة خيارات إما السجن أو الصمت، أو النفي خارج البلاد.

ليس هذا فحسب، بل تم أيضًا إيداع مرشحي المعارضة والمحللين المستقلين، وقادة المجتمع المدني الذين يجتمعون ويفسرون المعلومات للصحافة في السجن، كما تعذر التواصل معهم أيضًا بحرية عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني. ولم يُتَح للتواصل معهم إلا عدد قليل للغاية من مصادر المعلومات غير الرسمية ndash; وبخاصة هؤلاء المخبرين الذين يتكتمون على هويتهم خوفًا من ملاحقتهم وإيداعهم في السجون هم الآخرين. ورأت الصحافية أنه مع قلة الأخبار التي ترد من إيران، تتزايد التكهنات التي تؤكد أن الأساليب الصارمة التي تنتهجها السلطات نجحت في قمع الحركات الاحتجاجية. وعلى الرغم من حالة الصمت التي تبدو واضحة الآن في إيران بالنسبة إلى الغرب، إلا أن ذلك غير صحيح، فالتظاهرات التي هزت أرجاء العاصمة، طهران، على مدار الأسابيع الماضية لم تكن مجرد لحظة غضب وميضة، بل كانت تتويجًا لعقود من الآمال المحبطة والإهانات.

وفي محور آخر ذي دلالة وأهمية، أشارت سيكور إلى أن الطبقة المتوسطة العريضة في إيران قد دخلت في ثورة مفتوحة ضد حكومتها، كما أن الإصلاحيين الذين سبق لهم وأن حاولوا التقسيم إلى ثلاثة ما بين تلك القوات، والثيوقراطية، قد اختاروا بشكل عام الوقوف إلى جانب المحتجين. كما أكدت سيكور على أن مثل هذه المواجهة لا يجب أن تُقاس بالأيام ، وإنما بالشهور، أو حتى بالسنوات. ووسط دوائر المحللين السياسيين في إيران، تدور النقاشات والمناظرات حامية الوطيس الآن عن القوة النسبية لائتلاف المعارضة على الأصعدة السياسية والديموغرافية والاقتصادية.

وعلى الرغم من مرور أكثر من شهر على الانتخابات، ما زال هناك تساؤل عالق: مع من يقف رجال الدين، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية quot;آية الله علي خامنئيquot; أم مرشح المعارض البارز quot;مير حسين موسويquot; ؟ - وهو التساؤل الذي أجاب عنه، مهدي خالاجي، المحلل بمعهد واشنطن والذي سبق له أن تدرب كي يصبح رجل دين على مدار أربعة عشر عامًا في قم، حيث أعرب عن ثقته من أن المؤسسة الدينية تدعم خامنئي، وأن هؤلاء المنشقين لا يحظون سواءً بالسلطة السياسية أو بالنفوذ بين صفوف العلماء أنفسهم. وأشار إلى أن الصمت الذي يلتزمه كبار آيات الله المحافظين لا يجب أن يُفسر على أنه انشقاق وإنما مصادقة. وأكد كذلك على أن المؤسسة الدينية تعتمد في نهاية الأمر على الجمهورية الإسلامية حفاظًا على وجودها ماليًا وغير ذلك.

وعلى صعيد آخر ذو صلة، تعد صحيفة quot;النيويورك تايمزquot; الأميركية تقريرًا مطولاً حول أبعاد وخبايا الخطاب المهم الذي أدلاه الرئيس الإيراني السابق، علي أكبر هاشمي رافسنجاني، يوم الجمعة، وربطت الصحيفة ذلك بما يجري الآن من أحداث على المشهد السياسي في إيران سواء في العلن أو في الخفاء. في البداية، تستهل الصحيفة تقريرها بالقول إن رافسنجاني، صاحب الباع الطويل والممتد على مدار عقود في عالم السياسة، سبق له وأن وُصِف بالرجل الواقعي، واُنتقِد على أنه ذو شخصية ضعيفة، كما اُتهم أيضًا بالفساد.

وقالت الصحيفة إن رافسنجاني، البالغ من العمر الآن 75 عامًا، قد ظهر من خلال الخطاب الذي شن فيه هجومًا واسعًا على الحكومة بسبب الأحداث الانتخابية الأخيرة، في هيئة جديدة، كطرف مخوَّلة له سلطة تفسير المثل العليا للجمهورية الإسلامية البالغ عمرها ثلاثين عامًا. وفي خطبة الجمعة التي أدلاها أول أمس، بدا رافسنجاني وكأنه قد تخلى عن حذره العرفي من خلال مطالبته للحكومة بإطلاق سراح الناشطين الذين تم اعتقالهم خلال الأسابيع الأخيرة، وتخفيف القيود المفروضة على وسائل الإعلام، وإزالة الشكوك التي تنتاب الإيرانيين بشأن نتائج الانتخابات.

والتمست الصحيفة من وراء كلمات رافسنجاني تأكيدًا على أن الجمهورية الإسلامية ولكي تضمن استمرارها وبقاءها، عليها أن تسترد شرعيتها، وتجدد تأكيدها على مؤسساتها الجمهورية، وتجد صيغة للحكم. وقالت الصحيفةإنّ رافسنجاني الذي بدا وكأنه يعمل على إرساء شرعيته أمام الحشود الغفيرة، قد حرص على استحضار تاريخه السياسي الطويل، حيث قال: quot;ما تسمعونه الآن هو من شخص كان مع الثورة لحظة بلحظة منذ الوهلة الأولى للصراع. فنحن نتحدث عن أمور فات عليها ما يقرب من ستين عامًا إلى اليومquot;. وعلى الرغم من اتخاذه موقفًا صريحًا بدعم المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في الانتخابات الأخيرة، إلا أنه كان حريصًا أيضًا في تلك الخطبة على ألا يدحض بشكل مباشر إعلان الحكومة عن فوز الرئيس أحمدي نجاد بالانتخابات. بل ما كان ملفتًا، هو ظهوره في عباءة الدور المؤسسي لآية الله علي خامنئي.

وهنا نقلت الصحيفة عن فريدة فرحي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة هاواي: quot;خامنئي هو من كان يجب أن يدلي بهذا الخطاب. فذلك هو الدور المخصص له، على اعتبار أنه المرشد الروحي والسياسي. لكن خامنئي يشعر ربما بقدر كبير من عدم الأمان وأنه قد يخسر الكثير. لذا تنحى جانبًا، وحل رافسنجاني محله في تلك الوضعيةquot;. وأكدت الصحيفة في الوقت ذاته على أنه سيكون من الخطأ أيضًا القول إن رافسنجاني تحول فجأةً إلى أحد دعاة السلام وحقوق الإنسان والحرية. وعلى الرغم من هذا، رأت الصحيفة في مجمل الحديث أن رؤى المصالحة الوطنية ما زالت ممكنة، ودللت على هذا بطبيعة شخصية رافسنجاني الذي عاد مرة أخرى إلى الساحة الإيرانية بعباءة جديدة ومختلفة، وما زال يرى - من وجه نظره - أن الفرصة ما زالت مؤاتية لإصلاح الأمور وإعادتها إلى نصابها الصحيح. فهو يختلف عن عدد كبير من الشخصيات السياسية ورجال الدين، لأنه يعتبر سياسيًا محنكًا وخبيرًا. وقد سبق له أن رفض الانسحاب من ساحة القتال السياسية في بلد بات المعيار فيه هو quot;الصمت في مواجهة الهزيمةquot;.

وفي النهاية، تشير الصحيفة إلى أن رافسنجاني لم يحدد في خطبته هذه أي أهداف، ولم يقل إذا ما كان يأمل في إعادة فرز نتائج الانتخابات هذه أم أنه سيعمل على إقناع الشعب بتقبلها. وتنقل الصحيفة هنا عن شاؤول بخاش، أستاذ التاريخ الشرق أوسطي بجامعة جورج ماسون، قوله :quot; لم يتطرق رافسنجاني في خطبته إلى مشكلة المعارضة الأساسية وهي : أنهم لاقوا معاملة قاسية في الشوارع، وأن الانتخابات قد حدث بها تلاعبquot;.