بشار دراغمه من رام الله: أطفال تمزقت أحلامهم في طرقات المدن والمخيمات بحثا عن لقمة عيش، وتزداد صعوبة الحصول عليها مع مضي الأيام، إن لم يكن في أي مكان في العالم، فهو هنا في فلسطين، في الضفة الغربية، في قطاع غزة، في كل المدن والمخيمات، أطفال اتخذوا من التسول مهنة لهم بعدما أجبرهم زمان الاحتلال على ذلك، فمنهم من قتل آباؤهم، وآخرون زج المعيل الاول لأسرهم بين قضبان السجون، ليجد الطفل الفلسطيني نفسه أمام أمر واقع " لا بديل عن التسول لكسب الرزق ومساعدة عائلاتهم" هكذا قال لي أحد الأطفال المتسولين، بينما وجدت طفلا آخر لا يقتنع بهذا الكلام وبحث عن طريقة أخرى لكسب قوت عائلته، سألته كيف؟ فأجاب: " التجارة شطارة، وأنا استطيع أن أبيع العلكة والدخان، وأشياء أخرى كهذه وفي النهاية أجمع شيئا من المال أساعد به عائلتي، فوالدي في الجسن وهو الوحيد الذي كان يعيلنا".


استجداء من اجل شيكل
ربما لا يفاجىء المرأ إن أغرقه المتسولون والباعة المتجولون من الأطفال في أحد شوارع مدينة نابلس، أسئلة كثيرة تتبادر إلى ذهنك قبل أن تدخل في حوار مع هذا الطفل المتسول أو ذاك البائع المتجول، تقول: نحن في الصباح ومن المفترض أن يكون هذا الطفل في مدرسته، لماذا هو غائب عنها الآن؟ لكن إلحاحه قطع عليك كل تساؤلاتك، فهو يريد أن ينتهي منك للبحث عن رزق جديد.
مررت بأحد الأطفال، أسرع إلي قائلا: " عمو اعطيني شيكل، الله يخليلك أولادك، الله يسعدك، الله..."، قبل أن ألبي له رغبته قررت أن أساله، ماذا سيصنع لك الشيكل، إنه بسيط جدا، ولماذا لم يعطيك أهلك هذا الشيكل؟ فأجاب: " أنا جوعان كثير وبدي أشتري ساندويش من المطعم، لأنها أمي ما عملت فطور، ما معها فلوس، وأبوي مات زمان، قتلته إسرائيل".
مجرد أن تنتهي من هذا الطفل، حتما هناك أطفال آخرون سيلاحقونك في كافة الطرقات، فطفل جديد اعترض طريقا، وجدته واقفا أمامي، يقول: " عمو تشتري؟، معي علكة زاكية كثير، وكمان معي كاسيات شاي كل 12 كاسة بعشرة شيكل، خذهم للبيت الله يجبر خاطرك".
الأطفال المتجولون في الشوارع بحثا عن قوتهم كثر جدا، لكن لكن طريقته الخاصة في تسويق سلعته أو الاستجداء من الناس.


دراسات: الحاجة تدفعهم للعمل
الدراسات الفلسطينية الرسمية تؤكد على أن عمالة الأطفال سواء في بيع الحاجيات الصغيرة أو التسول في الشوارع، تأتي بسبب ممارسات إسرائيل على أرض، ومنع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم، حيث يظهر تقرير أصدره جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني أن 71% من الأطفال دون سن الخامسة عشرة يعملون بسبب الفقر، وإنعدام فرص العمل لآبائهم، وحسب هذه الاحصائية فقد بلغ عدد الأطفال العاملين سواءً بأجر أو بدون أجر، 40،139 طفلا، أي ما نسبته 3.1% من إجمالي الأطفال، منهم 3.8% في الضفة الغربية و1.9% في قطاع غزة.
وبحسب نتائج هذه الإحصائية فأن عمالة الأطفال الأعلى موجودة في المناطق الريفية مقارنة مع الحضر والمخيمات حيث بلغت 4.6% مقابل 2.6% في الحضر، و1.8% في المخيمات، أمام بنسبة لتوزيع المحافظات فكانت المحافظة الأولى في هذا الشأن هي أريحا بنسبة (13.2%)، ومن ثم سلفيت (10.4%)، وبعدها محافظة قلقيلية (9.2%)، في حين سجلت محافظتا القدس وبيت لحم أدنى نسبة للأطفال العاملين.
أما في قطاع غزة فقد سجلت محافظة غزة أعلى نسبة حيث وصلت إلى 2.8% يليها محافظة رفح (2.2%)، في حين بلغت أدنى نسبة في محافظتا دير البلح وخانيونس فقد بلغت 1.0% لكل منهما.

ساعات عمل طويلة وأمراض مزمنة
يلاحظ من خلال الإحصائيات أن الساعات الأسبوعية التي يقضيها الأطفال في العمل طويلة جدا قياسا بأعمارهم حيث بلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية 25.6 ساعة، بواقع 14.4 ساعة للفئة العمرية 5-9 سنوات، و20.3 ساعة للفئة 10-14 سنة، و33.8 ساعة أسبوعياً للفئة 15-17 سنة، هذا في وقت تبين فيه أن العديد من الأطفال أصيبوا بامراض مزمنة نتيجة ظروف عملهم الصعبة، وتبين أن 7.6% من الأطفال العاملين تعرضوا لإصابات عمل أو أصيبوا بأمراض مزمنة خلال أدائهم لعملهم بواقع 7.5% في الضفة الغربية و8.3% في قطاع غزة.

ضياع المدرسة لضمان العمل
في الوقت الذي يبحث فيه الطفل عن قوت يومه ليعيل عائلته فانه جتما سيضطر في أحيان كثيرة إلى التخلي عن "حبيبته المدرسة"، فاكثير من هؤلاء الأطفال نجدهم راغبون في إكمال مشوارهم التعليمي لكن على حد قول أحدهم " ما في اليد حيلة" بينما يقول آخر:" ما إنت شايف العين بصيرة واليد قصيرة، وعينك في الناظر". وتبين النتائج أن 95.4% من الأطفال في الفئة العمرية (6-17) سنة ملتحقين بالمدرسة، كما أظهرت النتائج أن2.3% من الأطفال الملتحقين بالمدرسة يعملون بأنشطة اقتصادية بواقع 4.0% للذكور و0.6% للإناث، من جهة أخرى أظهرت النتائج أن 8.1% من بين الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة يعملون، بواقع 9.5% في الضفة الغربية و6.1% في قطاع غزة مع ملاحظة أن الأطفال 5 سنوات مشمولين في هذه المقارنة.


دحلان: التسول ليس ظاهرة في فلسطين
من جهته يرفض محمد دحلان، وزير الشؤون المدينة الفلسطينية أن يطلق على التسول في فلسطين اسم الظاهرة، معتبر أن مثل هذا المصطلح بحاجة إلى دراسات علمية وفي فلسطين لم نحصل على دراسات دقيقة حول أعداد وانتشار المتسولين في المجتمع الفلسطيني، ويعتبر العقيد دحلان أن حالة التسول تنتشر دون أسباب مباشرة قائلا: "الوضع الاقتصادي وبالتحديد الفقر يعتبر أحد أهم العوامل التي تدفع بالأطفال لممارسة هذه العادات السلبية، وتدني القدرة الشرائية لدى الأسرة وكبر عدد الأفراد في الأسرة الواحدة داخل المجتمع الفلسطيني بشكل عام، والالتزامات المتعددة لدى رب الأسرة وعدم مقدرته على تلبية بعض الاحتياجات لأبنائه ساهم في توجه هؤلاء الأطفال للانحراف السلوكي من سرقة أو تسول، أو مسح زجاج السيارات، أو جمع الزجاجات الفارغة كعلب الكرتون أو بعض قطع الحديد والنحاس، والبقايا الملقاة هنا ".
ويحمل دحلان الاسرة جزءا من المسؤولية حول إنتشار هذه الظاهرة قائلا: "التنشأة الاجتماعية وأسلوبها داخل الأسرة تلعب دورا كبيرا في الحد من هذه العادات، فإذا كانت النشأة سليمة فلن تحدث، أما إذا كانت تنشأة غير واعية وسليمة فإنها حتما ستؤدي إلى انتشار مثل هذه الحالات.


السياحة لمواجهة التسول
وزارة السياحة الفلسطينية حاولت أن تلعب دورا في هذا الجانب، حيث أعلنت الوزارة عن البدا في تنفيذ خطة من شانها أن تحد من انتشار ظاهرتي التسول والباعة المتجولين في الشوارع، وفي خبر لـ"إيلاف" نشر للزميل أسامة العيسة أوضح فيه أن زياد البندك، وزير السياحة والآثار الفلسطيني، أكد على أن وزارته تسعى للحد من هذه الظاهرة في الأماكن السياحية، حيث التقى البندك مع العميد محمود المشني قائد الشرطة السياحية، وقيادات شرطية أخرى لوضع خطة لمكافحة التسول في الأماكن السياحية، واعتبر البندك ان ظاهرة التسول غريبة على المجتمع الفلسطيني وتسيء الى "السمعة الطيبة التي يتمتع بها هذا الشعب باعتباره شعبا كريما محبا لضيوفه ويحترم زواره".
ويذكر الخبر أن الأماكن السياحية الفلسطينية التي بدأت تشهد عودة متدرجة للسياح إليها، بعد سنوات الانتفاضة، تشهد وجود مجموعات من الأطفال تتسول من السائحين، في حين عجزت الشرطة السياحية التي تضم خريجي الجامعات في صفوفها من وضع حد للتسول.
وقال العميد محمود المشني قائد الشرطة السياحية بان أفراد هذه الشرطة سيكثفون من وجودهم في المواقع السياحية وذلك من اجل عدم إفساح المجال أمام من اسماهم العابثين والمسيئين لسمعة وصورة الشعب الفلسطيني.


قانون للطفل الفلسطيني

حاولت السلطة الفلسطينية أن تتبع نهجا حضاريا في التعامل مع الطفل، حيث أصدرت قانونا خاصا سمي بـ"قانون الطفل الفلسطيني" لكن يبقى غياب التطبيق هو سيد الموقف، وهذا القانون الذي ضم في صفحاته 75 مادة تضمن حقوق الطفل يهدف في مادته الأولى إلى الارتقاء بالطفولة في فلسطين بما لديها من خصوصيات. وتنشئة الطفل على الاعتزاز بهويته الوطنية والقومية والدينية وعلى الولاء لفلسطين، أرضا وتاريخا وشعبا. وكذلك إعداد الطفل لحياة حرة مسئولة في مجتمع مدني متضامن قائم على التلازم بين الوعي بالحقوق والالتزام بالواجبات وتسوده قيم العدالة والمساواة والتسامح والديمقراطية. وأيضا حماية حقوق الطفل في البقاء والنماء والتمتع بحياة حرة وآمنة ومتطورة.إضافة إلى توعية المجتمع بحقوق الطفل على أوسع نطاق ممكن باستخدام الوسائل المناسبة.وكذلك إشراك الطفل في مجالات الحياة المجتمعية وفقا لسنة ودرجة نضجه وقدراته المتطورة حتى ينشأ على خصال حب العمل والمبادرة والكسب المشروع وروح الاعتماد على الذات. ومن الأهداف الأخرى تنشئة الطفل على الأخلاق الفاضلة وبخاصة احترام أبويه ومحيطه العائلي والاجتماعي. وبالرغم من هذا القانون الجميل في صفحاته وعباراته إلا أن الأطفال لا زالوا على حالهم متسولون وباعة متجولون في الطرقات التي قتلت احلامهم.