موسى الخميسي من روما: طوّر الرومان سلسلة من المهارات والتقاليد، كانوا يظنون انها تساعدهم في حياتهم وتوسعاتهم وفتوحاتهم، وما سيحدث لهم في المستقبل. وقد استخدموا كل ما يدور حولهم ليستدلوا به على توقعاتهم، وعندما جاءت المسيحية واعترف الامبراطور تيودوسيوس بها كدين للدولة، اصبح العديد من تلك التقاليد ذا طابع مسيحي، وهذه التقاليد الان هي ثمرة لامتزاج وتفاعل ما بين المسيحية والحضارة الهيلينية والحضارة الشرقية القديمة.

تقاليد
ومن ابرز التقاليد التراثية القديمة التي يعتقد العديد من المؤرخين بانها تعود الى فترة حكم الامبراطورية الرومانية، هو الاحتفال الفريد من نوعه عالميا، والذي تقيمة بعض المدن الايطالية مثل مدينة" سبيلو" في مقاطعة " اومبريا" و ومدينة " جنسانو" في مقاطعة " لاتسيو"، وفي كلتلا المدينتين يطلق على المهرجان اسم"عيد التزيّن" حيث تتنافس هاتين المدينتين على اظهار كل ما هو متجدد ومختلف في كل عام. ومنذ العصور الوسطى وهذا العيد لا يزال احد الرموز الطقسية الاحتفالية ببعث السيد المسيح، فمدينة " سبيلو" التي تقع على قمة احد الجبال العالية تتزيّن بمئات اللوحات الملونة الصغيرة التي تفترش شوارعها الضيقة، حيث تتحول الى مسرح تصويري مصنوع من مئات الاطنان من الزهور الطبيعية واوراق الاشجار التي تحمل عشرات الالوان.
ويستخدم ورثة هذا الطقس معارضهم التقليدية ومهاراتهم الفنية بعمل جماعي يشارك فيه الاطفال والنساء والشيوخ ويمتد الى ساعات الليل المتأخرة على ايقاعات الرقص والغناء الشعبي، لاجل تحقيق تشذيب رائع من الزهور الطبيعية الملونة، والتي تزرع لهذا الغرض في وقت مبكر في الحقول الكبيرة المخصصة لزراعة الزهور بكل انواعها المطلوبة.

البداية
لقد كانت البدايات الاولى لهذا التقليد في مدينة " سبيلو" التي تذكرها المصادر التاريخية محصورة برسم للوحات الملونة ذات الطابع الديني، وهي اذ تبتعد عن اداء الوظيفة، الا انها تزداد اقترابا من طابع التزيّن الزخرفي. وكانت العائلات المسيحية المقتدرة هي التي تقوم بتكليف الفنانين برسم واعداد ووضع هذه البسط الملونة المصنوعة من الورد في بعض المناطق بمركز المدينة احتفاء وتقربا من الكنيسة، الا انه في السنوات الاخيرة اتسمت هذه الظاهرة بقوة تحريك المشاعر الدينية وغير الدينية على السواء.
لقد اصبحت تجسيدا للافكار الجديدة في حياة الناس اليومية، حيث اقتربت هذه الظاهرة من الفنون المعاصرة، فشهدت الشوارع والدرابين الضيقة خلال السنوات الخمس الاخيرة، بسطا وسجاجيد وردية ملونة تحاكي الطبيعة والحياة اليومية، واصبح جمال هذه اللوحات يقوم على تحريك مشاعر الناس مبتعدا شيئا فشيئا عن الصور الدينية وخاصة تلك التي تعتمد على لوحات كبار الفنانين الايطاليين من عصر النهضة.

لوحات المشاهير
وبدأ بعض ابناء المدينة بالفعل بتنفيذ لوحات تعود لفنانين معاصرين مشهورين من امثال بيكاسو، براك، مونيه، رينوار، كوتوزو، موراندي... الخ كما ان البعض الاخر استخدم الازهار الجافة في تنفيذ عمله ليعطي انطباعا متحركا وغير تقليدي لتركيبة الشكل، كما ان العديد بدأ بتنفيذ اعماله خارج حدود بساطة الافكار التقليدية المقتبسة عادة من اللوحات الدينية لكبار الفنانين الايطاليين.

جداريات
ويمتد طول الشوارع والازقة الضيقة التي تغطيها هذه اللوحات التي يصل طول بعضها الى خمسة امتار، الى كيلو مترين داخل مركز المدينة التاريخي العريق الذي يعود الى بدايات الالف الاول الميلادي، ويشارك فيها العشرات من الفنانيين القادمين من مدن ايطالية واوربية، ويتميز تحقيق هذه الجداريات الارضية على الغالب بتبسيط في التفاصيل والاهتمام بابراز الخصائص التي تشد اعين الناس وتجعلهم قريبين من الهدف. وقلما يشاهد استخدام الضوء والظل بطريقة عميقة كما هو حال اللوحات الفنية، وقلما ترسم لوحات الفنانين الذين اعتمدت لوحاتهم على الضوء والظل كالفنان كارافاجو، وان حقق البعض عملا فنيا بهذه المواصفات الصعبة، فانه يتحقق لابراز بعض التفاصيل في الوجوه والاجساد التي تحملها اللوحة المنفذة.
ويراعي كل من يسجل اسمه في مركز بلدية المدينة للقيام بعمل فني الخطوات الاساسية التالية في تنفيذ عمله الفني:
اختيار الموضوع واختيار الالوان وما يتوفر منها من الازهار واسمائها وتخطيط المساحات المخصصة والمطلوبة في الشوارع بالطبشور الابيض والملون قبل البدء في عملية التنفيذ واختيار الازهار والاوراق الخضراء واليابسة ومراعاة احجامها والوانها واختيار الموقع وتحديد طول وعرض العمل الفني وترك مساحة للمارة ووضع الكارتون السميك فوق الشوارع المعبدة بالاجر للمساعدة على خلق مستوى موحد خال من التعرجات.

مهرجانات مصاحبة
وتصاحب تظاهرة الافتتاح حفلات موسيقية وغنائية ورقصات فلكلورية جماعية، ولا يفوت عدد من القائمين على تنفيذ هذه الاعمال برشها وبشكل مستمر بسبراي الروائح العطرة، كما ان المدينة تتحول الى سوق لبيع الزهور والمزهريات السيراميكية والخشبية والحاجات الفلكلورية والتذكارية، وتنتصب على جدران المدينة وعلى عتبات المنازل والمحلات التجارية والدكاكين الصغيرة اللوحات الفنية المطبوعة بكل الاحجام والمواد الورقية او تلك المصنوعة من الاقمشة( الكنفاس). وتختتم هذه التظاهرة التي تدوم سبعة ايام بطواف لجنة متخصصة تشرف عليها بلدية المدينة مؤلفة من الفنانين والصحفيين والمعماريين من خارج المدينة اضافة الى اعضاء من رئاسة البلدية وكاتدرائيتها لاختيار افضل عمل فني حيث ينال جائزة تقديرية ومالية من بلدية المدينة والشركات والمؤسسات المحلية والعالمية الداعمة، حيث يسجل اسم الفائز الاول والثاني والثالث في سجل التشريفات، بعد ذلك يتم احتفال طقسي ديني كنائسي في مركز المدينة، حيق يقام قداس يوم الاحد في الهواء الطلق.

500 طن من الورد
اما في مدينة "جنسانو" القريبة من روما فان هذا المهرجان يعود تاريخه الى عام 1778، ويستخدم فيه اكثر من خمسمائة طن من الزهور والاوراق، ويبلغ عدد اللوحات المشاركة اثنتي عشرة لوحة فنية، وكل واحدة من هذه اللوحات يبلغ حجمها 7× 14 مترا يضاف اليها الاطار الذي يبلغ سمكه عادة متر واحد، ويفصل الواحدة عن الاخرى، حاجز من اوراق الورود الملون، يمتد ما بين متر ومتر ونصف. اما المساحة الكلية التي تاخذ شكلا طويلا ومستقيما لهذه السجادة الملونة فيبلغ 1890 مترا مربعا تمتد على شكل شريط ملون يبلغ طوله 250 مترا يشغل الشارع الرئيسي للمدينة المبلط بالقرميد الاحمر والذي يقسم المدينة القديمة الى قسمين يطلق عليهما بالايس والايمن. وقد كتب عن هذه التظاهرة عدد من الادباء والفنانين العالميين من امثال بلزاك ودستوفسكي وهمغواي وبيكاسو وآخرين.

الشرق حاضر ايضا
في كلتا المدينتين الشهيرتين في اقامة هذا الكرنفال، فانهما تتحولان الى اسواق كبيرة شرقية، حيث تصطف في ساحات المدينتين مجاميع كبيرة من الجاليات الاسيوية والافريقية،في كشكاتها وعرباتها الخشبية البدائية لتصطف في طوابير منتظمة، وهي تحمل البضائع من البخور الى العطور والاكلات الشعبية وابسط وقبعات اللباد والمصوغات الفضية المزيفة، واواني الخزف الصيني والمنسوجات والمنحوتات الخشبية الافريقية، وتلك التي تعود الى حضارة الانكا في امريكا اللاتينية. ويعطي هذا التعدد والتنوع الهائل، الناس بهجة من نوع خاص، فهو يعتبر جزءا من الفيسيفساء المحلية الملونة التي بدأ المواطن يألفها، كما انها تعتبر ظاهرة اساسية تسعى كل بلدية الدعمها وتطويرها من اجل احياء هذين المهرجانين التزينيين السنويين واللذان اصبحا محطة سياحية للزائرين من كل انحاء العالم.